في حكم إجارة الثياب والحُلِيِّ للمناسبات



فإجارةُ الثيابِ المُباحةِ جائزةٌ، ويجوز ـ أيضًا ـ إجارةُ الحُلِيِّ مِنَ الذهب والفضَّة للنساء بأحَدِ النقدَيْنِ أو غيرِهما إذا كانَتِ المدَّةُ معلومةً والأجرُ معلومًا، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ وأصحابِ الرأي وروايةٌ عن أحمد ...   للمزيد 

«التصفيف السابع والثلاثون: الإيمان بالقدر (١)»



القَدَرُ ـ فِي اللُّغَةِ ـ هُوَ الإِحَاطَةُ بِمِقْدَارِ الشَّيْءِ، تَقُولُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ أَقْدُرُهُ قَدَرًا إِذَا أَحَطْتُ بِمِقْدَارِهِ. وَقَدَرُ اللهِ ـ تَعَالَى ـ هُوَ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ ـ أَزَلًا ـ بِالكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا،... للمزيد

التحرير البديع في تعليل تحريم أعيان المَبيع



عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ـ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ـ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ» ... للمزيد

سلسلة ردود على الشبهات العقدية لـ «شمس الدين بوروبي» [إدارة الموقع]



ادِّعاء المُحاضِر المتعالم بأنَّ السلفيِّين يتَّهمون الصوفيةَ بالقول بسقوط التكاليف عنهم، ونسبتُه التمسُّكَ بالسنَّة للمتصوِّفة كلامٌ عارٍ عن الدليل، بعيدٌ عن الواقع بعدًا ظاهًرا ... للمزيد

«التصفيف الثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (١)»



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (١)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

التاسع والأربعون: توحيده في ربوبيَّته:


مدونة الأثر السلفية

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة الدعوة السلفية

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة الخزانة السلفية للكتب

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة الموحدة السلفية

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة دعائم منهاج النبوة

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة



‏إظهار الرسائل ذات التسميات التوحيد وعلومه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التوحيد وعلومه. إظهار كافة الرسائل

السبت، 20 يونيو 2015

مصدر تلقِّي العقيدة الإسلاميَّة

مصدر تلقِّي العقيدة الإسلاميَّة

  • حسن أيت علجت
 

إنَّ من أهمِّ ما ينبغي أن يعتني به المسلم ـ عمومًا ـ، وطالب العلم ـ خصوصًا ـ في أمور الإيمان والاعتقاد: تصحيح المصدر الَّذي يقيم عليه دينه واعتقاده، ذلك بأنَّه إذا سلم للإنسان مصدرُه؛ سلم له ـ تبعًا لذلك ـ إيمانُه ومعتقدُه(1).
 والعقيدة الإسلاميَّة لها مصدران أساسيَّان هما:
أوَّلاً:كتاب الله تعالى «القرآن الكريم».
ثانيًا: ما صحَّ من سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الَّذي وصفه ربُّه سبحانه بقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾[النجم:3-4].
وإجماع السَّلف الصَّالح مصدرٌ أيضًا؛ إذ جاء ذكر الإجماع في بعض مسائل الاعتقاد كما ثبت عن الإمام الأوزاعي رحمه الله أنَّه قال:
«كنَّا ـ والتَّابعون متوافرون ـ نقول: إنَّ الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السُّنَّة من صفاته»(2).
ولكنَّ مرجع هذا الإجماع ومبناه على الكتاب والسُّنَّة، أي أنَّه يستند في أبواب الاعتقاد إلى دليلٍ سمعيٍّ من كتابٍ أو سنَّةٍ، لا على قياسٍ ولا أمارةٍ ولا غير ذلك(3).
وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «العقيدة الواسطيَّة» وهو في «مجموع فتاواه» (3/157): «والإجماع هو الأصل الثَّالث الَّذي يعتمد عليه في العلم والدِّين، وهم يَزِنُون بهذه الأصول الثَّلاثة جميع ما عليه النَّاس من أقوالٍ وأعمالٍ باطنةٍ أو ظاهرةٍ ممَّا له تعلُّقٌ بالدِّين.
والإجماع الَّذي ينضبط، هو ما كان عليه السَّلف الصَّالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمَّة» اهـ.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبه بقوله:
«أمَّا بعد؛ فإنَّ خيرَ الحديث كتاب اللّه، وخير الهدى هدى محمَّدٍ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»(4).
وفي هذا تأكيدٌ على أهمِّيَّة العناية بهذا المصدر ـ وهو الكتاب والسُّنَّة ـ، وضرورة الالتزام به، وتحذيرٌ من اتِّخاذ مصدرٍ سواه، وأنَّه ينجم عن تنكُّب الكتاب والسُّنَّة الضَّلال والانحراف.
ولهذا كان ابن تيميَّة يقول:
«مَن فارق الدَّليل ضلَّ السَّبيل، ولا دليل إلاَّ بما جاء به الرَّسول»(5).
فالأمر كما قال الشَّيخ عبد المحسن العبَّاد:
«عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة نزلت من السَّماء، ولم تخرج من الأرض»(6).
ومعنى ذلك أنَّها وحيٌ من الله سبحانه؛ خلافًا لغيرها من العقائد المنحرفة الَّتي هي زبالة أذهان البشر ونخالة أفكارهم وعصارة آرائهم ووساوس صدورهم.
من أجل ذلك دأب أئمَّة السُّنَّة على الإرشاد إلى مصدر التَّلقِّي ـ وهو الكتاب والسُّنَّة ـ.
ومن أظهر الأمثلة على  ذلك:  ابتداء الإمام البخاري رحمه الله  كتابه «الجامع الصَّحيح» بكتاب «بدء الوحي»؛  إشارةً منه إلى أنَّ الدِّين يؤخذ عقيدةً وعبادةً عن طريق الوحي، ثمَّ ثنَّاه بكتاب «الإيمان»؛  إشارةً إلى وجوب الإيمان بما جاء به الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ ذكر الوسيلة إلى معرفة ذلك وهو العلم، فجعله عنوان الكتاب الَّذي  بعدهما.
وكذلك الإمام أبو جعفر الطَّحاوي أشار إلى هذا في  عقيدته المشهورة، حيث قال: «لا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا، ولا متوهِّمين بأهوائنا، فإنَّه ما سلم في دينه؛ إلاَّ من سلّم لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا تثبت قدم الإسلام؛ إلاَّ على ظهر التَّسليم والاستسلام».
بل إنَّ أئمَّة السُّنَّة يذكرون هذا الأصل  ـ وهو مصدر التَّلقِّي ـ حتَّى في منظوماتهم في العقيدة، كما فعل الإمام أبو بكرٍ ابن  الإمام أبي داود السِّجستاني ـ رحمهما الله ـ، حيث بدأ قصيدته «الحائيَّة» بقوله:

تمسَّك بحبل الله واتَّبع الهدى ولا تـك بـدعــيًّا لــعــلَّـك تـفـلـح
ودن بكتاب الله والسُّنن الَّتي أتت عن رسول الله تنجو وتربح

- إذا تقرَّر هذا؛ فإنَّ هذا الأمر مؤسَّسٌ على قاعدتين هامَّتين ينبغي أن تكونَا من كلِّ طالب علمٍ على بالٍ(
7):
القاعدة الأولى:
اشتمال الكتاب والسُّنَّة على أمور العقيدة: أصولها وفروعها، دلائلها ومسائلها.
وبيان هذه القاعدة يكون من وجهين: إجماليٍّ، وتفصيليٍّ:
- أمَّا الإجمالي: فإنَّ كلَّ ما يجب على المسلم اعتقاده قد جاء بيانه في كتاب الله سبحانه، وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم بيانًا شافيًا، قاطعًا للعذر، مع بيان أدلَّته، وسبل الاهتداء إلى معرفته.
وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله:
«وذلك أنَّ أصول الدِّين: إمَّا أن تكون مسائل يجب اعتقادها، ويجب أن تذكر قولاً، أو تعمل عملاً: كمسائل التَّوحيد والصِّفات والقدر والنُّبوَّة والمعاد، أو دلائل هذه المسائل.
 أمَّا القسم الأوَّل: فكلُّ ما يحتاج النَّاس إلى معرفته، واعتقاده، والتَّصديق به من هذه المسائل، فقد بيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر؛ إذ هذا من أعظم ما بلَّغه الرَّسول البلاغ المبين، وبيَّنه للنَّاس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجَّة على عباده فيه بالرُّسل الَّذين بيَّنوه، وبلَّغوه.
وكتاب الله الَّذي نقل الصَّحابة ثمَّ التَّابعون عن الرَّسول لفظه ومعانيه، والحكمة الَّتي هي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم والَّتي نقلوها ـ أيضًا ـ عن الرَّسول؛ مشتملةٌ من ذلك على غاية المراد، وتمام الواجب والمستحبِّ.
وأمَّا القسم الثَّاني: وهو دلائل هذه المسائل الأصوليَّة؛ فالأمر ما عليه سلف الأمَّة أهل العلم والإيمان من أنَّ الله  سبحانه وتعالى بيَّن من الأدلَّة العقليَّة الَّتي يحتاج إليها في العلم بذلك، ما لا يقدر أحدٌ من هؤلاء [المتكلِّمين] قدره، ونهاية ما يذكرونه؛ جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجهٍ، وذلك كالأمثال المضروبة الَّتي يذكرها الله في كتابه، الَّتي قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون﴾[الزُّمَر:27]؛ فإنَّ الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقليَّة»(8).
- أمَّا الوجه التَّفصيلي لهذه القاعدة، فهو متعلِّقٌ بأصلين:
الأوَّل ـ القرآن العظيم: الَّذي هو كلام الله سبحانه المنزَّل على قلب نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾[النحل:89]، وقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾[يوسف:111]، وقال: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾[الأنعام:38]
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية الأخيرة:
«أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدِّين إلاَّ وقد دلَّلنا عليه في القرآن: إمَّا دلالةً مبيَّنةً مشروحةً، وإمَّا مجملةً يتلقَّى بيانها من الرَّسول صلى الله عليه وسلم أو من الإجماع أو من القياس الَّذي ثبت بنصِّ الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾[النحل:89]، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾[النحل:44]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾[الحشر:7]، فأجمل في هذه الآية، وآية «النَّحل»، ما لم ينصَّ عليه ممَّا لم يذكره.
فصدق خبر الله بأنَّه ما فرَّط في الكتاب من شيءٍ إلاَّ ذكره: إمَّا تفصيلاً، وإمَّا تأصيلاً»(9)اهـ.
الثَّاني ـ السُّنَّة النَّبويَّة: فمن المعلوم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أعلم النَّاس بالله سبحانه ودينه، وأنصحهم للأمَّة، وأفصحهم عبارةً وبيانًا من غيره، فاجتمع في حقِّه: كمال العلم، والقدرة، والإرادة؛  فاستلزم  هذا  وجود البيان التَّامِّ منه لمسائل  الدِّين كلِّها؛  سواءً ما كان منها متعلِّقًا بالعقائد أو الأعمال أو السُّلوك؛ لأنَّ وجود الملزوم يقتضي وجود لازمه.
ومصداق هذا  ما رواه العرباض ابن سارية رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:
«قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ لَيْلها كَنَهَارِهَا، لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلاَّ هَالِكٌ»(10).
وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «درء تعارض العقل والنَّقل» (1/23 ـ 24): «ومحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحقّ، وهو أفصح الخلق لسانًا، وأصحُّهم بيانًا، وهو أحرص الخلق على هدي العباد كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾[التوبة:128]، وقال: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين﴾[النحل:37] .
وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب ليبيِّن للنَّاس ما نزِّل إليهم، فلا بدَّ أن يكون بيانه وخطابه وكلامه أكمل وأتمّ من بيان غيره، فكيف يكون ـ مع هذا ـ لم يبيِّن الحقَّ؟!...».
ومن كمال نصح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمَّته أن علَّمها حتَّى آداب قضاء الحاجة.
ففي «صحيح مسلم» (262) عن سلمان  الفارسي رضي الله عنه قال: قال لنا المشركون: إنِّي أرى صاحبكم يعلِّمكم؛ حتَّى يعلِّمكم الخراءة؟! فقال: أجل، إنَّه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الرَّوث، والعظام وقال: «لاَ يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ».
 ومن درر كلام إمام دار الهجرة رحمه الله ما رواه الإمام أبو إسماعيل الهروي رحمه الله في «ذمِّ الكلام» (1128) بسنده إلى الإمام الشَّافعي رحمه الله قال:
سُئل مالكٌ عن الكلام في التَّوحيد, فقال مالكٌ: «محالٌ أن يُظنَّ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه علَّم أمَّته الاستنجاء، ولم يعلِّمهم التَّوحيد».
ولهذا قال الإمام ابن القيِّم  رحمه الله؛ تجانسًا مع كلام الإمام مالكٍ رحمه الله المذكور:
«ومن أبْيَن المحال أن يكون أفضلُ الرُّسل قد علَّم أمَّته آداب البول: قبله وبعده ومعه، وآداب الوَطْء، وآداب الطَّعام والشَّراب، ويترك أن يعلِّمهم ما يقولونه بألسنتهم، وتعتقده قلوبهم في ربِّهم ومعبودهم، الَّذي معرفته غاية المعارف، والوصول إليه أجلّ المطالب، وعبادته وحده لا شريك له أقرب الوسائل» اهـ(11).

- ثمرة الالتزام بهذه القاعدة: الاستغناء بكتاب الله سبحانه، وما صحَّ من سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم عمَّا سواهما في جميع الأمور الدِّينيَّة، سيما ما كان متعلِّقًا بالمطالب الإلهيَّة، والمقاصد الرَّبَّانيَّة، وفي هذا قال ابن القيِّم في «الصَّواعق المرسلة» (4/1352 ـ 1353): «إنَّ الله سبحانه أنكر على من لم يكتف بكتابه فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾[العنكبوت:51]، ومن المحال أن يكون الكتاب الَّذي يخالفه صريح العقل كافيًا، وإنَّما يكون كافيًا لمن قدَّمه على كلِّ معقولٍ ورأيٍ وقياسٍ وذوقٍ وحقيقةٍ وسياسةٍ؛ فهذا الكتاب في حقِّه كافٍ له، كما أنَّه إنَّما يكون رحمةً وذكرى له دون غيره، وأمَّا من أعرض عنه، أو عارضه بآراء الرِّجال؛ فليس بكافٍ له، ولا هو في حقِّه هدًى ولا رحمةً؛ بل هو من الَّذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله».
وقال ـ أيضًا ـ رحمه الله في «بدائع الفوائد» (4/155): «فالحمد لله الَّذي أغنى عباده المؤمنين بكتابه، وما أودعه من حججه وبيِّناته، عن شقاشق المتكلِّمين، وهذيانات المتهوِّكين، فلقد عظمت نعمة الله تعالى على عبدٍ أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى غيره ».

- القاعدةالثَّانية:
ظواهر النُّصوص مفهومةٌ لدى المخاطبين.
وبيان هذه القاعدة يكون من وجهين: إجماليٍّ، وتفصيليٍّ:
- أمَّا الإجمالي: فإنَّ كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عربيٌّ مبينٌ، وظاهره غايةٌ في البيان، وهو مفهومٌ لدى المخاطبين من أهل اللِّسان العربيِّ، سيَّما ما يتعلَّق من ذلك بمسائل الاعتقاد والإيمان.
- أمَّا الوجه التَّفصيلي لهذه القاعدة، فهو متعلِّقٌ بأصلين:
الأوَّل ـ القرآن العظيم:
الَّذي نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وهو جارٍ على معهود العرب في خطابها.
ودليل هذا من جهتين: من جهة الأثر، ومن جهة النَّظر:
أمَّا من جهة الأثر: فقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين  * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين﴾[الشعراء:192-195]، وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾[فُصِّلَت:3]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾[يوسف:2]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدَّالَّة على أنَّ هذا القرآن أنزل باللِّسان العربيِّ المفهوم لدى المخاطبين من أهل اللِّسان العربي.
أمَّا من جهة النَّظر: فإنَّه من المعلوم أنَّ القرآن العظيم مقصودٌ به الهداية والإرشاد؛ فلزم أن يكون بيِّنًا للأمَّة المخاطبة به، ولا يكون كذلك حتَّى تفهمه وتعقله، ولا يتمُّ ذلك حتَّى يكون جاريًا على معهودها في الخطاب، وعادتها في الكلام.
وفي هذا قال الإمام الطَّبري رحمه الله في مقدِّمة «تفسيره» (1/11): «إنَّه غير جائزٍ أن يخاطب ـ جلَّ ذكره ـ أحدًا من خلقه إلاَّ بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحدٍ منهم رسولاً برسالةٍ؛ إلاَّ بلسانٍ وبيانٍ يفهمه المرسل إليه؛ لأنَّ المخاطب والمرسل إليه، إن لم يفهم ما خوطب به، وأرسل به إليه؛ فحاله قبل الخطاب، وقبل مجيء الرِّسالة إليه وبعده سواءٌ؛ إذ لم يفده الخطاب والرِّسالة شيئًا كان به قبل ذلك جاهلاً، والله ـ جلَّ ذكره ـ يتعالى عن أن يخاطب خطابًا، أو يرسل رسالةً لا توجب فائدةً لمن خوطب، أو أرسلت إليه؛ لأنَّ ذلك فينا من فعل أهل النَّقص والعبث، والله تعالى عن ذلك متعالٍ» اهـ.
الثَّاني ـ السُّنَّة النَّبويَّة:
إنَّ من سنَّة الله في خلقه وأمره أن يرسل كلَّ رسولٍ بلسان قومه، حتَّى يحصل المقصود من الرِّسالة وهو البيان والإنذار.
ولا تقوم الحجَّة الرِّساليَّة، وتنقطع المعذرة؛ إلاَّ بالبيان من الرَّسول، والفهم من المرسل إليه، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾[إبراهيم:4]، وقال في حقِّ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم : ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾[النحل:44].
والقوم الَّذي بعث فيهم نبيُّنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ـ وهم قريشٌ ـ عربٌ أقحاحٌ، فيكون كلامه لهم ممَّا يفهمونه من لغة العرب وأساليبها.

- ثمرة الالتزام بهذه القاعدة:
إنَّ ما جاء في كتاب الله سبحانه، وما صحَّ من سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم معقول المعنى، واضحٌ جليٌّ، سيَّما ما كان متعلِّقًا بما يجب على المسلم اعتقاده في ربِّه ومعبوده سبحانه.

- تنبيه حول منزلة العقل والفطرة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد(12):
إذا كان الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة هما مصدرَا تلقِّي العقيدة الإسلاميَّة، فما منزلة العقل والفطرة في باب الاعتقادات؟
الجواب عن هذا من وجهين:
الأوَّل: الفطرة والعقل السَّليم مؤيِّدان، وموافقان لما جاء في الكتاب والسُّنَّة، ويدركان أصول الاعتقاد على الإجمال ـ لا على التَّفصيل ـ؛ فالعقل والفطرة يدركان وجود الله وعظمته، وضرورة طاعته وعبادته، واتِّصافه بصفات العظمة والجلال على وجه العموم، كما أنَّ العقل والفطرة السَّليمين يدركان ضرورة النُّبوَّات، وإرسال الرُّسل، وضرورة البعث والجزاء على الأعمال؛ على الإجمال ـ أيضًا ـ، لا على التَّفصيل، أمَّا هذه الأمور وسائر أمور الغيب، فلا سبيل إلى إدراك شيءٍ منها على التَّفصيل إلاَّ عن طريق الكتاب والسُّنَّة «الوحي»، وإلاَّ لما كانت غيبًا، ومثل الوحي بالنِّسبة للعقل والفطرة، كضوء الشَّمس بالنِّسبة للعين الباصرة.
قال الإمام ابن القيِّم في تفسير قول الله سبحانه: ﴿الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾[النور:35].
«فأخبر  ـ سبحانه ـ عن مثل نور الإيمان به، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وصدق رسله ـ في قلوب عباده ـ، وموافقة ذلك لنور عقولهم، وفطرهم الَّتي أبصروا بها نور الإيمان؛ بهذا المثل المتضمِّن لأعلى أنواع النُّور المشهود، وأنَّه نورٌ على نورٍ:  نور الوحي ونور العقل، نور الشِّرعة ونور الفطرة، نور الأدلَّة السَّمعيَّة ونور الأدلَّة العقليَّة»(13).
الوجه الثَّاني: تعارض النَّصِّ الصَّريح من الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة مع العقل الصَّحيح، أي: السَّليم الَّذي لم يطرأ عليه تغييرٌ ولا انحرافٌ؛ غير متصوَّرٍ أصلاً؛ بل هو مستحيلٌ؛ لأنَّ العقل خلق الله تعالى، والوحي أمر الله تعالى، فلا يمكن أن يتعارض خلق الله سبحانه وأمره أبدًا، وهو ـ سبحانه ـ له الخلق والأمر، كما قال: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِين﴾[الأعراف:54]
فإذا جاء ما يوهم التَّعارض بين الوحي والعقل، فإنَّ الوحي مقدَّمٌ ومحكَّمٌ؛ لأنَّه صادرٌ عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ، والعقل لا عصمة له؛ بل هو نظر البشر النَّاقص، وهو معرَّضٌ للوهم، والخطأ، والنِّسيان، والهوى، والجهل، والعجز.
والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين.


(1) عن «شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي» للدكتور عبد الرزاق البدر (ص42) باختصار وإضافة.
(2) رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص515)، وصحّح إسناده ابن تيميّة في «مجموع الفتاوى» (5/39)، وابن القيّم في «اجتماع الجيوش» (ص31)، والذّهبي في «تذكرة الحفّاظ» (1/181 ـ 182)، وجوّد إسناده الحافظ ابن حجر في «الفتح» (13/406).
(3) انظر: «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السّنّة والجماعة» رسالة ماجستير لعثمان ابن علي حسن (1/154).
(4) رواه مسلم في «صحيحه» (867)، وما استفيد من الحديث منقولٌ من «شرح حائية ابن أبي داود» للدكتور عبد الرزاق البدر (ص12).
(5) نقله عنه الإمام ابن القيم : في «مفتاح دار السعادة» (1/90).
(6) عن «شرح عقيدة الحافظ عبد الغني» لعبد الرزاق العباد (ص 43 ـ 45) بإضافة.
(7) وهما مستفادتان من كتاب «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد» لعثمان بن علي حسن (1/245 ـ 258)، و(2/437 ـ 467) [ط/ مكتبة الرشد ـ الرياض]، مع تصرّفٍ واختصارٍ وإضافةٍ.
(8) «درء تعارض العقل والنّقل» (1/27 ـ 28/ط: جامعة الإمام) باختصارٍ وحذفٍ.
(9) «الجامع لأحكام القرآن» (6/420).
(10) رواه أحمد (17142)، وابن ماجة (43)، وانظر: «الصحيحة» (937).
(11) «الصواعق المرسلة» (1/158).
(12) عن «مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة» للدكتور ناصر العقل مع تصرّفٍ وإضافة.
(13) «الصّواعق المرسلة» (3/851 ـ 852).

الأربعاء، 20 مايو 2015

سب الله عزّ وجلّ


في ناقض الإيمان القولي: سب الله عزّ وجلّ

السـؤال:
نحن جماعةٌ من طلبة العلم، نسأل عن أمر عظيم يكثر فيه الجدال عندنا، ألا وهو مسألة سبّ الله عزّ وجلّ -والعياذ بالله- وقبل السؤال نطرح عليكم هذه المقدّمة:
هذا الجرم العظيم منتشرٌ عندنا بكثرة منذ زمن بعيد حيث شبّ عليه الصغير، وشاب عليه الكبير، وهَرِمَ عليه الشيخ -إلاّ من رحم ربي- فعموم الناس إذا ما وقع بينهم شجار يتلفّظون بألفاظ فيها سبّ لله بل منها ما هو أشدّ من سبّ الله عزّ وجلّ حتى ممّن هم مواظبون على الصلاة, وإذا سكن عنهم الغضب وسئلوا صرحوا بأنهم نادمون عمَّا قالوا، وأنهم ما كانوا يقصدون سبّ الله عزّ وجلّ، ولكنهم تربّوا على هذه الألفاظ منذ الصغر.
فنرجو منكم تفصيلاً شافيًا عن حكم سبّ الله عزّ وجلّ, وعن حكم هؤلاء الناس الذين يقولون: لم نكن نقصد سبّ الله عزّ وجلّ. وبارك الله فيكم.
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:
فالسبُّ شتمٌ، وهو كلّ قبيح يستلزم الإهانةَ ويقتضي النَّقص، وضابطُهُ العُرْفُ، فما عَدَّه أهلُ العرف سَبًّا وانتقاصًا أو عيبًا أو طَعْنًا ونحو ذلك فهو من السَّبِّ، وحُكم ساب الله تعالى طوعًا من غير كره كافرٌ مرتدٌّ قولاً واحدًا لأهل العلم لا اختلاف فيه، سواء كان جادًَّا أو مازحًا، وهو من أقبح المكفرات القولية التي تناقض الإيمان، ويكفر ظاهرًا وباطنًا عند أهل السُّنَّة القائلين بأنّ الإيمان قول وعمل، وقد نقل ابن عبد البر المالكي في «التمهيد» عن إسحاق بن راهويه قولَه: «قد أجمع العلماءُ على أنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ عزّ وجلَّ، أو سبَّ رسولَه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، أو دَفَعَ شيئًا أنزله اللهُ، أو قتل نبيًّا من أنبياء اللهِ، وهو مع ذلك مُقِرٌّ بما أنزل اللهُ أنه كافر»(١).
وقال القاضي عياض المالكي: «لا خلاف أنّ سابّ الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم، واختلفوا في استتابته»(٢)، وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي: «ومَنْ سبَّ اللهَ تعالى كَفَرَ سواء كان مازحًا أو جادًّا»(٣)،
 ومثله عن ابن تيمية قال: «إنّ من سبَّ الله أو سبَّ رسولَه كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان السابُّ يعتقد أنّ ذلك محرّمٌ أو كان مستحلاًّ أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهبُ الفقهاءِ وسائرِ أهلِ السُّنَّةِ القائلين بأنّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ»(٤).
ذلك، لأنّ في سبِّ الله تنقيصًا لله تعالى، واستخفافًا واستهانة به سبحانه، وانتهاكًا وتمرّدًا على ربِّ العالمين، ينبعث من نفس شيطانية ممتلئة من الغضب، أو من سفيه لا وقار لله عنده، فحاله أسوأ من حال الكافر، إذ السابّ مظهر للتنقّص ومفرط في العداوة ومبالغ في المحاداة بينما الكافر يعظّم الربّ، ويعتقد أنّ ما هو عليه من الدِّين الباطل ليس استهزاءً بالله ولا مسبّة له، وهو -أيضًا- من جهة أخرى أسوأ حالاً من المستهزئ؛ لأنّ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦]، وإذا كان الاستهزاء كفرًا فالسبُّ المقصود من بابٍ أولى، والآية دلّت على مساواة الجِدّ واللعب في إظهار كلمة الكفر، وضمن هذا المعنى يقول ابنُ العربي المالكي: «لا يخلو ما قالوه -أي: المنافقون- من ذلك جِدًّا أو هزلاً، وهو كيفما كان كُفر، فإنّ الهزل بالكفر كُفر لا خلاف فيه بين الأمّة، فإنّ التحقيقَ أخو العلم والحقّ، والهزلَ أخو الجهل والباطل»(٥).
فالحاصل، أنّ أصل الدين مبني على تعظيم الله تعالى وإجلاله، وتعظيم دينه ورسله، فإذا كان الاستهزاء بشيء من ذلك يناقض هذا الأصلَ وينافيه، فإنّ السبّ يناقضه أشدّ المناقضة، بل يتضمّن قدرًا زائدًا على الكفر؛ لأنّ الله تعالى نهى المسلمين أن يسبُّوا الأوثانَ لئلاَّ يسبّ المشركون اللهَ تعالى وهم على شركهم وتكذيبهم وعداوتهم لرسوله، في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فتبيّن أنّ سبّ الله تعالى أعظم من الشرك به وتكذيبِ رسوله ومعاداته، قال ابن تيمية في «الصارم المسلول»: «ألا ترى أنّ قريشًا كانت تقارُّه عليه الصلاة والسلام على ما كان يقوله من التوحيد وعبادة الله وحده، ولا يقارونه على عيب آلهتهم والطعن في دينهم وذمّ آبائهم، وقد نهى الله المسلمين أن يسبُّوا الأوثان لئلاَّ يسبّ المشركون اللهَ مع كونهم لم يزالوا على الشرك، فعُلِم أنّ محذورَ سبِّ اللهِ أغلظُ من محذورِ الكفرِ به»(٦).
هذا، والمُخلِّص الوحيد الذي يمحو اللهُ تعالى به الكفرَ بعد ثُبوته هو توبة المذنِب، وذلك برجوع العبد إلى الله تعالى، ومفارقتِه لصراط المغضوب عليهم والضالِّين، واللهُ تعالى يقبل توبةَ العبدِ من جميع الذنوب: الشركِ فما دونه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقولِه تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]، وقولِه تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ومِن شَرْطِ التوبة أن يخلصَها لله تعالى، ويتحسّرَ على فعله، ويندمَ على ما اقترفه، وأن يُقْلِعَ عنه ولا يُصِرَّ عليه، ويعزمَ أن لا يعودَ إليه في المستقبل، وأن تكونَ توبتُه في زمنٍ تنفع فيه التوبةُ(٧).
- أمّا إذا سبَّ اللهَ تعالى وهو مغلَقٌ على قلبه كمن تكلّم بكلمة الكفر وهو على غضبٍ شديد لا يدري ما يقول ولا يَعِي، وإذا ذُكِّرَ لا يتذكّر ولا يستحضره، أو صدرت منه كلمة الكفر وهو في حالة جنون أو إغماء أو غيبوبة أو نطق بها خطأ لم يقصدها فإنّ ذلك مانعٌ من تكفير المعيّن بسببها لفساد قلبه؛ لأنّ جميع الأقوال والتصرّفات مشروطة بوجود التمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشرع اعتبار كما قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ»(٨)، ولقَوْلِ الرجل من شدّة الفرح: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وأَنَا رَبُّكَ» فقال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ»(٩)، فإنّ هذا حصل له الكلام من غير قصدٍ منه ولا إرادةٍ، فهو غيرُ مؤاخَذ عليه، لقوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
فمن هنا يتقرّر أنّ مَنْ وَقَعَ في الكفر فلا يلزم وقوع الكُفرِ عليه لوجود مانعِ إلحاقِ الكفرِ به ابتداءً، بخلاف من وقع الكفر عليه لانتفاء المانع، فإنّ التوبة تمنع إطلاق الكفر عليه بعد رجوعه عنه.
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٢٢ محرم ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠فبراير ٢٠٠٧م


(١) «التمهيد» لابن عبد البر: (٤/ ٢٢٦).
(٢) «الشفا» للقاضي عياض: (٢/ ٢٢٩).
(٣) «المغني» لابن قدامة: (١٠/ ١٠٣).
(٤) «الصارم المسلول» لابن تيمية: (٥١٢).
(٥) «أحكام القرآن» لابن العربي: (٢/ ٩٧٦).
(٦) «الصارم المسلول» لابن تيمية: (٥٥٧).
(٧) يفوت وقت قبول التوبة فلا تنفع التوبة فيها في ثلاث حالات:
الأولى: إذا بلغت الروح الحلقوم وحضر الأجل لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار﴾ [النساء: ١٨]، وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ». أخرجه الترمذي في «الدعوات»: (٣٥٣٧)، وابن حبان (٦٢٨)، والحاكم (٧٦٥٩)، وأحمد (٦٣٧٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وصححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (٩/ ١٨)، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع»: (٦١٣٢).
الثانية: إذا نزل العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٤-٨٥].
الثالثة: إذا طلعت الشمس من مغربها فلا تقبل فيها التوبة، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وفي الحديث: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَطْلٌعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ وَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا. ثم قرأ الآية»، أخرجه البخاري في «التفسير»: (٤٣٦٠)، ومسلم في «الإيمان»: (٣٩٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٨) أخرجه البخاري في «الإيمان» (٥٢)، ومسلم في «المساقاة» (٤١٧٨)، وأبو داود في «البيوع» (٣٣٣٠)، والترمذي في «البيوع» (١٢٠٥)، وابن ماجه في «الفتن» (٣٩٨٤)، والدارمي (٢٤٣٦)، وأحمد (١٧٩٧٠)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(٩) أخرجه مسلم في «التوبة»: (٦٩٦٠)، من حديث أنس رضي الله عنه.

الخميس، 22 يناير 2015

تحذير الأنام من سب الملك العلام


الحمد لله العظيم المتعال، والصلاة والسلام على نبيه الذي دعا إليه بالأقوال والأفعال، وبعد:
فإن أهم المهمات وأعظم الواجبات، ما تنال به السعادة الدائمة والنعيم المقيم الذي لا فناء له ولا نفاد، وبفقده وزواله يحصل الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، ألا وهو الإيمان بالله، الذي أنزلت لأجله الكتب وأرسلت به الرسل، تدعو إليه وتجاهد عليه، وهو الذي تنال به أرفع المقامات وأفضلها في الأولى والآخرة، قال -جل جلاله-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [الحديد: 19].

وقال -تعالى- : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة 72].

والجزاء من جنس العمل، فلما كان تحقيق الإيمان، وشدة المحافظة على امتثال أمر الله واجتناب نهيه والمسارعة إلى كل ما يرضيه من تعظيمه كان الجزاء هو الفوز العظيم في جنات النعيم.

وإن من تعظيم الله عدم التقديم بين يديه ويدي رسوله، في كل شأن من شؤون حياتنا خاصة إذا تعلق الأمر بأصل من أصول ديننا، فكيف إذا تعلق بأصل الأصول كلها؛ فالمحافظة على هذا الإيمان باجتناب كل ما يشوهه أو يكدر صفاءه لهو من آكد الواجبات وأولى الأولويات.


وعلماؤنا قد حرَّروا المقال في هذا الباب وتعرضوا لبيان نواقضه، التي باجتنابها والبعد عنها صيانة للدين وتعظيم لرب العالمين.

ومن أهم هذه النواقض التعرضُ للذات الإلهية بالنقص أو الاستهزاء وعدم التعظيم.


ومن أخطر هذه النواقض و أقبحها وأشدِّها جُرما عند الله -تبارك وتعالى- سب الله وانتقاص قدره والحط من منزلته بالاستهزاء أو الشتم أو غيره، هذه المسألة التي ربما يستهين بها عامة الناس، بل حتى خاصتهم الذين لا يعتقدون في أصحاب هذا العمل الشنيع ما أجمع عليه علماء الأمة الكرام، حتى قال ابن حزم -رحمه الله- (المحلى:11/411):
"وأما سبُّ الله -تعالى- فما على ظهر الأرض مسلم يخالف أنه كفر مجرد".

فهو إذا من أعظم المكفِّرات القولية التي تناقض أصل الإيمان، لأن الإيمان مبني على محبة الله وتعظيمه، والانقياد لجميع أوامره، والسب المبني على الإهانة والاستخفاف، ومحال أن يجتمع في القلب حبٌّ وانقياد، مع تنقص واستخفاف، فمتى تحقق أحدهما في القلب انتفى الآخر.

وقبل بيان حكم هذا الفعل وبيان أقوال أهل العلم فيه يجدر بنا أن نقدم ببيان معنى السَّب،فما هو معناه؟

معنى السب في اللغة هو الشتم (لسان العرب6/127) وكما في الحديث:((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))(صحيح:3595) قيل هذا محمول على من سب أو قاتل مسلما.

قال الراغب الأصفهاني: "السب: الشتم الوجيع" (المفردات: 226)،وقال شيخ الإسلام (الصارم المسلول: 3/967): "فالسب إهانةٌ واستخفاف، والانقياد للأمر إكرامٌ وإعزاز، ومحال أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم، أو يستخف به، فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة، امتنع أن يكون فيه انقياد أو استسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كفر إبليس، فإنه سمع أمر الله له فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر، ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرًا"

ولما كانت الطاعات من شعب الإيمان فإن المعاصي من شعب الكفر، لإن من الذنوب ذنوبا سميت كفرا، كما مر معنا في الحديث السابق ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (خ، م من حديث ابن عمر).

وقوله: (( ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)) (م).

ومما لا شك فيه أن المقصود بالكفر هنا الكفر الأصغر، والتي مرتكبها لايكون بها كافرًا إلا بالاستحلال، فلا يُخرج صاحبها ومرتكبها عن دائرة الإيمان عند أهل السنة بمجرد الفعل، إلا أنه ثمة ذنوب عملية هي من الكفر الأكبر وهي لا تصدر إلا من شخص زال الإيمان من قلبه، مثل سب الله أو سب رسوله أو الاستهانة بالمصحف فهذه مرتكبها قد اقترف جرما عظيما، ووقع في ناقضة من نواقض الإيمان، يكفر بها كفراً عينيا يخرجه عن دائرة الإيمان، فهو كافر مرتد بالإجماع.

نص عليه ابن حزم كما سبق، وشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال (الصارم:3/1017): " فصلٌ فيمن سب الله -تعالى-، فإن كان مسلما وجب قتله بالإجماع، لأنه بذلك كافر مرتد، وأسوأ من الكافر، فإن الكافر يعظم الرب، ويعتقد أن ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء بالله".

وبيّن -رحمه الله- بيانا شافيا ووضح توضيحا جليا أن سب الله كفر، سواء كان الساب مستحلا لذلك، أو كان معتقدا حرمته*، حيث قال(الصارم: 3/955): " إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.

خلافا للمرجئة القائلين بأن الإيمان هو التصديق والعمل ليس من الإيمان، وطائفة منهم** إدّعت أن الإيمان هو قول اللسان فقط.

وبناءً على هذا الأصل الفاسد فإن الإيمان عندهم لا يتأثر بطاعة أو بمعصية، أي لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية، بل المكفرات القولية والعملية لا تخرجه عن الإسلام.

ومن هنا يتبين لنا الأثر السيئ لمن بنى اعتقاده على الأصول الفاسدة، فأصل ضلال هؤلاء مرده إلى:


1- اعتقادهم أن الإيمان كله لا يتبعض ولا يتجزأ إذا زال بعضه زال كله، فأساس شبهتهم أنهم لم يفرقوا بين ما هو شرط في أصل الإيمان كالإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وتصديقه وإتباعه، مع توحيد الله -تعالى-، فإنه لا يكفي أحد هذين الأصلين عن الآخر، وبين ما يكون شرطا في أصل الإيمان فلا يقتضي تخلفه وتأخره عدم وجودها بالكلية، كالمرتكب لبعض الكبائر فإن إيمانه ينقص، لكنه لا يذهب بالكلية إلا بالكفر.
وأحسن ما يمثل به علماؤنا في هذا الباب بيانا لهذه المسالة دحضا لتلك الشبهة، أن الإيمان كالشجرة حيث يقطع بعض أغصانها أو يُجنى شيء من ثمارها، فإنها تبقى شجرة وإن نقص بعضها، وقد ضربها الله مثلا كالكلمة الطيبة كلمة التوحيد فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم 24].

2- قولهم إنه لا يجتمع عند الإنسان طاعة ومعصية، وإيمان وكفر أصغر، وإسلام ونفاق عملي.

رد شيخ الإسلام على هذه الشبهة بقوله (الإيمان: 387)
: "ومن العجيب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر ذلك أبو الحسن[1] وغيره، فلأجل اعتقادهم في هذا الإجماع وقعوا فيما هو مخالف للإجماع الحقيقي، إجماع السلف الذي ذكره غير واحد من الأئمة بل وصرح غير واحد منهم بكفر من قال بقول جهم في الإيمان.

وقد اتفق الخوارج مع المرجئة في أصل هذه الشبهة –أن الإيمان لا يتبعض- لكنهم طرفي نقيض في هذه المسألة، فالخوارج كفروا بالكبيرة والمرجئة أحجموا عن تكفير من دلت النصوص على كفره.


والذي عليه أئمة هذه الملة الأعلام أن هذه المكفرات ردة عن الإسلام، ومن هذا القبيل سب الدين، أو سب الله أو رسوله، فمن فعلها حُكم عليه بالردة، وقد قال بذلك مالك والشافعي وأحمد والليث وإسحاق مستندين إلى قوله -جل جلاله-
: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾[2] [التوبة 12]، والسب لا شك أنه نوع من أنواع الطعن والاستخفاف يكون كفرًا وردة عن الإسلام.

قال القرطبي (10/122): "والطعن هو أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين"

كما أنهم استدلوا بهذه الآية على وجوب قتل من طعن في الدين لردته وكفره، بل إن السب قدرٌ زادٌ على مجرد الكفر، بل هو أعظم عند الله من الشرك.

قال شيخ الإسلام رحمه الله (الصارم 3/1025):
 "وأما الساب فإنه مظهر للتنقص والاستخفاف والاستهانة بالله، منتهك لحرمته انتهاكا يعلم من نفسه أنه منتهك مستخف مستهزئ، ويعلم من نفسه أنه قد قال عظيما، وأن السماوات والأرض تكاد تتفطر من مقالته، وتخر الجبال، وأن ذلك أعظم من كل كفر... ومما يبين أن السب قدر زاد على الكفر، قوله -تعالى-: ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام 108] ومن المعلوم أنهم كانوا مشركين مكذبين معاندين لرسوله، ثم نُهي المسلمون أن يفعلوا ما يكون ذريعة إلى سبهم لله، فعُلم أن سب الله أعظم عنده من أن يشرك به" اهـ.

وقال أيضا (الصارم 3/1034): "وقد نهى الله المسلمين أن يسبُّوا الأوثان، لئلا يسب المشركون الله -سبحانه- مع كونهم لم يزالوا على الشرك، فعلم أن محذور سبّ الله أغلظ من محذور الكفر به، فلا يجعل حكمهما واحدًا.

وممن نقل الإجماع في المسألة إضافة إلى ابن حزم وابن تيمية -رحمهما الله-، إسحاق بن راهويه، والقاضي عياض، وابن عبد البر....

وقد استندوا في إجماعهم نصوص من كتاب الله منها:


قوله -تعالى- : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب 57].قال القاضي عياض -رحمه الله-: اللعن إنما يستوجبه من هو كافر، وحكم الكافر القتل.

واستُدل بالآية كذلك على أنه توعد على ذلك، بالعذاب المهين، ولم يجئ إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار.


واستدلوا كذلك بقوله -تبارك وتعالى-: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ [ التوبة 64-66].

قال شيخ الإسلام (الصارم 1/70): "وهذا نصً في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب المقصود بطريق أولى.

قال هذا في حق من سب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فما بالك بمن يسبُّ رب العزة، لا ريب أن ذلك أشد وأشنع وأعظم.

والعجب من بعض المنتسبين للعلم محاولتهم تقرير عقيدة مخالفة لمعتقد السلف في هذا الباب، زاعمين أنها عقيدة السلف، كمن يعتذر لمن كفر بسب الله أو دينه أن سوء تربيته مانع من تكفيره، وأن الرجل لا يكفر إلا إذا قصد الكفر، وهذا لم يقل به علماؤنا ولا قرروه، فأهل السنة والجماعة تميزوا بالوسطية والاعتدال في كل شيء، وخاصة في مسائل الاعتقاد، فهم لا يكفرون بارتكاب الكبيرة، ولا يتأخرون في اعتقاد كفر من وقع عليه الكفر
 [3].

وبعد هذا البيان المختصر لهذه المسألة المهمة المتعلقة بأصل الدين، وحتى لا يحمل الكلام على غير المحمل الصحيح، فيستغله أصحاب الشبهات والأهواء المضلة، أود أن أنبه على مسائل منها:


1- أن الواجب على الدعاة إلى الله -تعالى- أن يجتهدوا في بيان الحق للناس ودعوتهم إلى تحقيق التوحيد المنافي للشرك، وأن يحذروا الناس من مساوئ الشرك بكل أنواعه، ويبينوا لهم عظم وخطورة ما ينافي إيمانهم ويناقضه من أنواع هذه النواقض والمكفرات.

2- أن يسعى ولاة أمور المسلمين، وأولياء أبنائهم إلى ترسيخ الاعتقاد الصحيح في قلوبهم، من خلال التربية والتعليم على وفق المنهج الإسلامي الأصيل الذي يصون الأمة من المهالك ويحفظ لها دينها وعقيدتها، التي بصحتها وإصلاحها صلاح لحال الأمة كلها، في سائر شؤونها، وإلا ما الذي يدفع طوائف من الأمة تستبيح دماء بعضها، وتسعى في الأرض فسادًا لولا فساد معتقدهم.

3- أن معرفة مثل هذه الأحكام بيان لعظمة الله -جل وعلا- وحثًا على تعظيمه بما يستحقه، إذ التعظيم والإجلال تابع لمعرفته.

قال ابن القيم (المدارج: 2/495) عند منزلة التعظيم: "هذه المنزلة تابعة للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب، وأعرف الناس به: أشدهم له تعظيما وإجلالا، وقد ذم الله -تعالى- من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته، قال -تعالى-: ﴿ مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾، قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته.

وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت، فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المعظم، فذلك حقيقة الحمد".

وقد كان سلف هذه الأمة من شدة تعظيمهم لربهم -تبارك وتعالى- أنهم يعظمون ذكر اسمه -جل وعلا-.

قال عون بن عبد الله: ليعظِّم أحدكم ربه، أن يذكر اسمه في كل شيء، حتى يقول: أخزى الله الكلب، وفعل الله به كذا.

ويقول الخطابي: وكان بعض من أدركنا من مشايخنا قلَّ ما يذكر اسم الله -تعالى- إلا فيما يتصل بطاعة. (السير 18/63).

فمتى تتربى الأمة على مثل هذا التعظيم؟ لاشك أن تحقيقه منوط بقيام سوق الدعوة إلى الله -جل وعلا- على الهدي القويم والصراط المستقيم الذي سار عليه سلف هذه الأمة الكرام.


-------------------
*- خلافا لمن يدعي خلاف هذا ثم ينسبه إلى معتقد أهل السنة والجماعة متجاهلا، بل جاهلا أن الأئمة الأعلام أجمعوا عليه.
**- هو قول ابن كرَّام (255 هـ)
[1] - أبو الحسن الأشعري الذي تنسب إليه العقيدة الأشعرية.
[2] - راجع أحكام القرآن لابن العربي (2/893)، والقرطبي عند قوله تعالى : ﴿ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ﴾
[3] - وأغرب ما سمعت في هذا الباب، قول من لا يرى كفر المتنصّر الذي ترك الإسلام واعتنق المسيحية بحجة عدم صدور حكم قضائي فيه.

الجمعة، 28 فبراير 2014

لا ينفق الباطل إلا بشوب من الحق



قال شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «ولا يُنفق الباطل في الوجود إلاَّ بشَوبٍ من الحقِّ»(1).