في حكم إجارة الثياب والحُلِيِّ للمناسبات



فإجارةُ الثيابِ المُباحةِ جائزةٌ، ويجوز ـ أيضًا ـ إجارةُ الحُلِيِّ مِنَ الذهب والفضَّة للنساء بأحَدِ النقدَيْنِ أو غيرِهما إذا كانَتِ المدَّةُ معلومةً والأجرُ معلومًا، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ وأصحابِ الرأي وروايةٌ عن أحمد ...   للمزيد 

«التصفيف السابع والثلاثون: الإيمان بالقدر (١)»



القَدَرُ ـ فِي اللُّغَةِ ـ هُوَ الإِحَاطَةُ بِمِقْدَارِ الشَّيْءِ، تَقُولُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ أَقْدُرُهُ قَدَرًا إِذَا أَحَطْتُ بِمِقْدَارِهِ. وَقَدَرُ اللهِ ـ تَعَالَى ـ هُوَ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ ـ أَزَلًا ـ بِالكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا،... للمزيد

التحرير البديع في تعليل تحريم أعيان المَبيع



عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ـ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ـ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ» ... للمزيد

سلسلة ردود على الشبهات العقدية لـ «شمس الدين بوروبي» [إدارة الموقع]



ادِّعاء المُحاضِر المتعالم بأنَّ السلفيِّين يتَّهمون الصوفيةَ بالقول بسقوط التكاليف عنهم، ونسبتُه التمسُّكَ بالسنَّة للمتصوِّفة كلامٌ عارٍ عن الدليل، بعيدٌ عن الواقع بعدًا ظاهًرا ... للمزيد

«التصفيف الثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (١)»



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الثلاثون: التوحيد العلمي والعملي (١)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

التاسع والأربعون: توحيده في ربوبيَّته:


مدونة الأثر السلفية

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة الدعوة السلفية

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة الخزانة السلفية للكتب

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة الموحدة السلفية

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة

مدونة دعائم منهاج النبوة

مدونة أثرية سلفية على الكتاب والسنة



عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث art-mois-103. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث art-mois-103. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات

الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

في حكم أكل الضبع

في حكم أكل الضبع

السـؤال:
ما حكم أكل الضَّبُعِ؟ وهل هو من الخبائثِ التي تأكل النّجاساتِ والجِيَفَ؟ وجزاكم الله خيرا.
الجـواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على منْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فأكلُ الضَّبُعِ أحلّه جمهور أهل العلم، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة والظّاهريّة(١)، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الضَّبُعُ صَيْدٌ فَكُلْهَا، وَفِيهَا كَبْشٌ مُسِنٌّ إِذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِمُ»(٢)، وفي روايةٍ: «الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ جَزَاءُ كَبْشٍ مُسِنٍّ وَيُؤْكَلُ»(٣). ويدلّ على إباحته –أيضًا- حديثُ ابنِ أبي عمّارٍ قال: قُلْتُ لِجَابِرٍ: «الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: «آكُلُهَا؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: «أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»(٤).
هذا، وممن قال بجواز أكل الضّبُع من الصّحابة رضي الله عنهم: عليٌّ وابنُ عُمَرَ وابنُ عبّاسٍ وجابرٌ وأبو هريرةَ وسعدُ بْنُ أبي الوقّاص وأبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ وغيرُهم.
وما ذهب إليه القائلون بالإباحة لا يعارض أدلّةَ الحنفيّة(٥) القائلين بالتَّحريم، لإمكانِ تخصيصِ عمومِ حديثِ أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»(٦) بحديث جابرِ بْنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، فكان التّحريمُ شاملاً لكلّ ذي نابٍ من السّباع باستثناء الضّبُعِ، لأنّ الضّبُع من جنس السّباع خُصَّ جوازُه بالنّصّ.
وأمّا المالكيّة فكرّهوا أكْلَه من غير تحريمٍ(٧) صرفًا إلى الكراهة لوجود الدّليل.
ونفى ابنُ القيّم -رحمه الله- أن يكونَ الضّبُع منَ السّباع العَادِيَةِ، فأخرجها بهذا الاعتبار من عموم التّحريم، قال –رحمه الله-: «وأمّا الضّبُع فإنّما فيها أحدُ الوصفين، وهو كونُها ذاتَ نابٍ، وليست من السّباع العَادِيَةِ، ولا ريبَ أنّ السّباعَ أخصُّ من ذوات الأنياب، والسّبُع إنّما حُرِّمَ لما فيه من القوّة السَّبُعيّة التي تُوَرِّثُ المُغْتَذِيَ بها شَبَهَهَا، فإنّ الغاذيَ شبيهٌ بالمغتذِي، ولا ريبَ أنّ القوّة السَّبُعيّة التي في الذّئبِ والأسدِ والنّمِرِ والفهْد ليست في الضّبُعِ حتى تجبَ التّسويةُ بينهما في التّحريم، ولا تُعَدُّ الضّبُعُ من السّباع لغةً ولا عرفًا»(٨).
كما لا يعارضه -من جهة أخرى- حديثُ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزْءٍ رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ، فَقَالَ: «أَوَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟!»، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الذِّئْبِ فَقَالَ: «أَوَيَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟!»(٩)، لأنّ هذا الحديث فَقَدَ حجيَّتَه للمعارضة والاستدلال بسبب ضعفه، قال الشّوكانيّ –رحمه الله-: «لأنّ في إسناده عبدَ الكريمِ بنَ أُمَيَّةَ، وهو متَّفَقٌ على ضعفه، والرّاوي عنه إسماعيلُ بنُ مُسْلِمٍ، وهو ضعيفٌ»(١٠).
والذي يترجّح من الأقوال السّابقة أنّ الضّبُعَ مستثنىً من عموم ذوات الأنياب من السّباع بالنّصّ الخاصّ، أو خارجٌ عن السّباع العَادِيَةِ كما قرّره ابن القيّم –رحمه الله-، ولأنّ الضّبُع معدودٌ من أنواع الصّيد كما دلّ عليه التّصريحُ النّبويّ، وهذا قاضٍ بِعَدِّه من الطّيِّبات لا من الخبائث، وقد وصف الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والقولُ بالكراهة لا ينافي الجوازَ والإباحة، وما نقله المناوي عن ابن العربيّ المالكيّ قولَه: «وعجبًا لمن يحرّم الثّعلب وهي تفترس الدّجاجَ، ويبيح الضّبُع وهو يفترس الآدميَّ ويأكله»(١١)، فإنّه قياسٌ فاسد الاعتبار لمقابلته للنّصّ، ولو اعتُبِرَ هذا القياسُ لَلَزِمَ امتناعُ أكْلِ الحِيتَانِ التي تأكل الآدميَّ وغيرَه، فاللاّزم والملزوم باطلان.
وأمّا القولُ بأنّ دليلَ تحريمِ ذواتِ الأنيابِ من السّباع وَرَدَ متأخِّرًا عن الحديث المبيح لأكل الضّبُع فدلّ على أنّه منسوخٌ، فهو غيرُ صحيحٍ لعمومِ الإحرام وجزاءِ ما قَتَلَ منَ الصَّيد بمثله من النَّعَمِ، لاحتمال أن يكونَ متأخِّرًا عن الأوّل، ولأنّ الخاصَّ –من جهةٍ أخرى- يُخصَّص به العموم كما هو مذهبُ جمهورِ الأصوليّين، سواء كان الخاصّ سابقًا على العامّ أو متأخِّرًا، خلافًا للأحناف الذين يرَوْنَ أنّ دلالةَ العامّ قطعيّةٌ، فإنْ وردت بعد دلالة الخاصّ التي هي قطعيّةٌ -أيضًا- فإنّ المتأخِّرَ ينسخُ المتقدِّمَ بعد معرفةِ تاريخَيْهما، ولا شكَّ أنّ مذهبَ الجمهور أولى وأقوى؛ تقديمًا للجمع على النّسخ الاحتماليّ، وإعمالُ كلِّ الأدلّة أولى من إهمالِها أو إهمالِ بعضِها.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
الجزائر في: ١٩ من جمادى الآخرة ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٢ جـــــوان ٢٠١٠م

(١) انظر «الأم» للشّافعي: (٢/ ٢٧٢)، «المحلى» لابن حزم: (٧/ ٣٩٨)، «فتح الباري» لابن حجر: (٩/ ٦٥٧)، «الإنصاف» للمرداوي: (١٠/ ٣١٤).
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٨٣)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٤/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ١٨٣)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦٢٣)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (٣/ ٣١٨)، والترمذي في «الأطعمة» باب ما جاء في أكل الضبع (١٧٩١)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٤/ ٢٤٢).
(٥) «شرح معاني الآثار» للطّحاوي: (٤/ ١٨٩-١٩١).
(٦) أخرجه البخاري في «الذبائح والصيد» (٣/ ١١٧) باب أكل كل ذي ناب من السباع، ومسلم في «الصيد والذبائح» (٢/ ٩٣١) رقم (١٩٣٢)، من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.
(٧) قال مالك: «ولا أحب أكل الضّبُعِ»: [«تهذيب المدوّنة» للبراذعي: (١/ ٢٤٨)، انظر: «القوانين الفقهية» لابن جُزَيّ: (١٧٠)].
(٨) «إعلام الموقّعين» لابن القيّم: (٢/ ١٣٦).
(٩) أخرجه الترمذي في «الأطعمة» باب ما جاء في أكل الضبع (١٧٩٢) وقال: « هذا حديث ليس إسناده بالقوي».
(١٠) «نيل الأوطار» للشّوكانيّ: (١٠/ ٦٤).

المساعدة على تثبيت القرآن وعدم نسيانه

في العوامل المساعدة على تثبيت القرآن وعدم نسيانه

السؤال:
شيخَنا حفظكم اللهُ، ما نصيحتُكم لمن أراد حِفْظَ القرآن الكريم؟ وكيف يستطيع الشخصُ المحافظةَ على ما حفظه منه وعدمَ نسيانه؟ حفظكم اللهُ ورعاكم.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فاعلمْ أنَّ حِفْظَ القرآن الكريم فرضُ كفايةٍ على الأمَّة بالإجماع، وحِفْظَ ما تصحُّ به الصلاةُ مِنَ القرآن فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ بالإجماع(١)، وما عدا ذلك فحفظُه مستحبٌّ بالإجماع.
وفي حفظِ كلام الله تعالى فضلٌ عظيمٌ لقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»(٢)، والتفاضلُ في مراتب الاستحقاق في الإمامة بالناس أو الأولوية في الدفن ونحو ذلك إنما تكون بحفظ القرآن؛ لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»(٣) أيْ: «أحفظُهم»، وكان يقول: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ»، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ(٤)، وكذلك التفاضلُ في درجات الجنَّة على قدْرِ الحفظ في الدنيا لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا»(٥).
ولا يخفى ما في حفظِ القرآن الكريم مِنْ أهمِّيَّةٍ بالغةٍ لطالبِ العلم وللمتفقِّه؛ فالقرآنُ مصدرُ الأدلَّة يستظهرها الفقيهُ -عند الحاجة- في أحكامه وفتاويه، فمَنْ قَدَرَ على حفظه فهو مِنْ أجلِّ الطاعات والقُرُبات -كما تقدَّم-.
ومِنَ العوامل المساعدة على تثبيت الحفظ وعدم ذهاب العلم ما يلي:
١) شكرُ الله تعالى على نعمة الحفظ، واستعمالُ هذه النعمة في إتمام الحكمة التي شُرِعَتْ مِن أجلها في طاعة الله تعالى، ليكون القرآنُ حجَّةً له لا عليه. قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
٢) إخلاصُ الحفظ لله تعالى، والصدقُ في العملِ بمقتضاه، وعدمُ ربطِ الحفظ بالمطالب الدنيوية، وأنْ لا تُتَقَصَّدَ به المفاخرةُ والمباهاةُ والمقاصدُ السيِّئةُ أو يُستعمَلَ في غير الغرض المطلوب؛ فإنَّ أخْذَ القرآن بهذه النوايا يُوَرِّثُ النفاقَ؛ فقد جاء في الحديث قولُه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا»(٦).
٣) تَعاهُدُ القرآن والإكثارُ مِن تلاوته ومراجعته؛ فإنَّ عدمَ التعاهد سببٌ لضياع الحفظ وذهاب العلم؛ لقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «تَعَاهَدُوا هَذَا القُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»(٧)، ولقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ: إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ»(٨).
٤) أنْ يقومَ به آناءَ الليل والنهار؛ لقوله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ»(٩).
٥) توطيدُ حفظه للقرآن الكريم بفقه المعاني والأحكام للعمل بها والدعوة إليها، مع ملازمته الصبرَ على هذه الطاعات؛ لأنَّ النفس قد تنفر منها لاتِّساع الأسباب وكثرة الأتباع، أو للاستثقال والكسل، أو لملاذِّ الحياة.
٦) أنْ يجتنبَ المعاصِيَ والآثامَ والخِلْطَةَ مع الأشرار ونحوَها؛ لأنها جوانبُ شيطانيَّةٌ مُظْلِمَةٌ للقلب مُنْسِيَةٌ للذِّكر.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
الجزائر في: ٢٧ من ذي الحجة ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٣ ديسـمـبر ٢٠١٠ م

(١) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم (١٥٦).
(٢) أخرجه البخاري في «فضائل القرآن» بابٌ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٥٠٢٧) من حديث عثمان بن عفَّان رضي الله عنه.
(٣) أخرجه مسلم في «المساجد ومواضع الصلاة» (٦٧٣) من حديث أبي مسعودٍ الأنصاري البدري رضي الله عنه.
(٤) أخرجه البخاري في «الجنائز» باب الصلاة على الشهيد (١٣٤٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(٥) أخرجه أبو داود في «الصلاة» باب استحباب الترتيل في القراءة (١٤٦٤)، والترمذي في «فضائل القرآن» (٢٩١٤)، من حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٢٨١).
(٦) أخرجه أحمد (٦٦٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٣٧٥).
(٧) أخرجه البخاري في «فضائل القرآن» باب استذكار القرآن وتعاهُده (٥٠٣٣)، ومسلم في «صلاة المسافرين وقصرها» (٧٩١)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(٨) أخرجه البخاري في «فضائل القرآن» باب استذكار القرآن وتعاهُده (٥٠٣١)، ومسلم في «صلاة المسافرين وقصرها» (٧٨٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٩) أخرجه البخاري في «التوحيد» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «رجلٌ آتاه الله القرآن..» (٧٥٢٩)، ومسلم في «صلاة المسافرين وقصرها» (٨١٥)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

الاثنين، 22 أغسطس 2016

شرف الانتساب إلى السلفية

«وهذه الطائفة السلفية التي تعد نفسها سعيدة بالنسبة إلى السلف، وأرجو أن تكون ممن عناهم حديث مسلم «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين يوم القيامة» الحديث، قد وفقوا إلى تقليد السلف في إنكار الزيادة في الدين، وإنكار ما أحدثه المحدثون وما اخترعه المبطلون ويَروْن أنه لا أسوة إلَّا برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو من أمرنا بالائتساء به فلمَّا شاركوا السلف وتابعوهم في هذه المزية الإسلامية نَسبُوا أنفسهم إليهم، ولم يَدَعِّ أحدٌ منهم أنه يدانيهم فيما خصَّهم الله به من الهداية التي لا مطمع فيها لسواهم»
[العربي بن بلقاسم التبسي «مجلَّة الشهاب» (٤/ ١٤٩)]

السبت، 20 أغسطس 2016

في حكم التداوي عند طبيبٍ نفسيٍّ

السّؤال:

هل يجوز استشارةُ طبيبٍ أو طبيبةٍ في علمِ النّفسِ عن بعضِ الأمورِ غيرِ العقديَّةِ وتكون استشارةً أو معالَجةً من بابِ الأخذِ بالأسبابِ، واللهُ هو الشافي؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالطبيبُ النّفسيُّ إن كان موثوقًا به، وأهلاً لممارَسةِ عملِه، ومأمونًا بحيث لا يستخدم -في علاجِه للأمراضِ النفسيَّةِ والاضطراباتِ العصبيَّةِ- الطُّرُقَ المحرَّمةَ شرعًا كالتنويمِ المغناطيسيِّ الممزوجِ بكثيرٍ من الدَّجَلِ، أو يلتجئ إلى ما وراءَ الأسبابِ العاديَّةِ لرفعِ الداءِ النفسيِّ، أو يستعمل الطريقةَ الفرويديَّةَ في المعالجةِ بإقناعِ المريضِ أنَّ سببَ عقدتِه النّفسيَّةِ واضطرابِه العصبيِّ يرجع إلى تقيُّدِه بالدينِ والأخلاقِ باعتبارِهما -على النظرةِ الفرويديَّةِ- حواجزَ وعوائقَ تقف أمامَ الإشباعِ الجنسيِّ؛ مما يُورِثُه عُقَدًا وأمراضًا، فيدعوه إلى التحرُّرِ مِن قيودِها، وغير ذلك ممَّا فيه إفسادٌ للدينِ والأخلاقِ وتلبيسٌ على المسلمين، فإنْ خَلَتْ مِهنتُه مِن هذه الهَنَاتِ والمعايبِ فلا مانِعَ من الرجوعِ إليه -استشارةً وعلاجًا- ببذلِ الأسبابِ المباحةِ لمداواةِ النفسِ المريضةِ، إذْ لا يختلف أمرُ البدنِ والنفسِ في تحقُّقِ المرضِ فيهما، وهما مشمولان بعمومِ الأمرِ بالتداوي في قولِه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً -أو قال: دَوَاءً- إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ»(١)، وفي قولِه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»(٢).

والأصلُ أنَّ المرأةَ لا تعالِجُ إلاَّ عند طبيبةٍ إن وُجِدَتْ، وكذلك الرَّجُلُ يتداوى عند طبيبٍ رجلٍ، فإن تعذَّر فيجوز التداوي مع اختلافِ الجنسين استثناءً من الأصلِ السابقِ، وذلك إن أُمِنَتِ الفتنةُ بالتزامِ الضوابطِ الشرعيَّةِ المبيَّنةِ في رسالتِنا «نصيحة إلى طبيب مسلم»(٣)، منها: تجنُّبُ الخلوةِ والمسِّ والمصافحةِ والنظرِ الممنوعِ، ونحو ذلك من الضوابطِ الشرعيَّةِ المتعلِّقةِ بشخصيَّةِ الطبيبِ وأخلاقيَّاتِه .

هذا، وجديرٌ بالتنبيهِ أن الرجوعَ إلى الطبيبِ النفسيِّ -استشارةً أو علاجًا- تسبقه مرحلةُ تشخيصِ المرضِ، فإن تأكَّد أنه مرضٌ من نوعِ المسِّ الشيطانيِّ أو السحرِ فإنه لا يصير إلى الطبيبِ النفسيِّ؛ لأنَّ هذا النوعَ من المرضِ لا يدخل ضِمْنَ الطبِّ النفسيِّ، وإنما يستشير راقيًا كفءًا ومؤهَّلاً أو يعالِج عنده لرفعِ المسِّ وحَلِّ السحرِ بالنُّشرةِ الشرعيَّةِ.

أمَّا إن كان المرضُ المشخَّصُ من نوعِ الوساوسِ الشيطانيَّةِ التي تُورِثُ في نفسِ المريضِ الشكَّ والقلقَ والاضطرابَ وما ينْجَرُّ عنها من الهمِّ والغمِّ والأسى؛ فإنَّ هذه الحالاتِ النفسيَّةَ قد يعود سببُها إلى مقارفةِ المريضِ للذنوبِ وارتكابِه للمعاصي، والواجبُ على المريضِ -والحالُ هذه- الإنابةُ إلى اللهِ بالتوبةِ النَّصوحِ، والتوكُّلُ عليه والإكثارُ من الاستغفارِ، والمحافظةُ على عمومِ الأذكارِ في الصباحِ والمساءِ، ومن أهمِّها: قراءةُ القرآنِ وفاتحةِ الكتابِ وآيةِ الكرسيِّ والمعوِّذاتِ: «الإخلاص» و«الفلق» و«الناس»، وغيرِها ممَّا يحفظ من أمرِ اللهِ، كما عليه اختيارُ الرُّفْقَةِ الصالحةِ التي تؤازره، ومَلْءُ الفراغِ بما يُفيده في معاشِه ومعادِه، فإنَّ الوَحْدَةَ والعُزلةَ للمصابِ بالوسواسِ من أسبابِ زيادةِ الكبتِ والإحباطِ النفسيِّ، وهذه الحالةُ لا يُرَاجِعُ فيها الطبيبَ النفسيَّ، بل يتصدَّى لها المصابُ شخصيًّا بالصمودِ ضدَّ وساوسِ الشيطانِ ويعصيه فيما يوحيه إليه من شكوكٍ ووساوسَ، ويستعين باللهِ عليه ويتضرَّع إلى اللهِ بالدعاءِ في أوقاتِ الاستجابةِ وفي جوفِ الليلِ أو ثلثِه الأخيرِ، ويدعوه بأنْ يحفظَه من الشيطانِ ويخلِّصَه من وساوسِه وشِرَاكِه ومكايدِه، فإن التزم هذه الطريقةَ الشرعيَّةَ بإخلاصٍ وصدقٍ فإنَّ اللهَ تعالى يُبْعد عنه ما يخشاه ويحقِّقُ له ما يرجوه ويتمنَّاه من الخيرِ، فيسكن قلبُه وتطمئنُّ نفسُه، ذلك لأنَّ اللهَ تعالى سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعَوَاتِ.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ١٦ جمادى الثانية ١٤٣٢ﻫ
المـوافق ﻟ: ١٩ مـــاي ٢٠١١م

(١) أخرجه أبو داود في «الطبّ» باب في الرجل يتداوى (٣٨٥٥)، والترمذي –واللفظ له- في «الطبّ» باب ما جاء في الدواء والحثّ عليه (٢٠٣٨)، من حديث أسامة بن شريك العامري رضي الله عنه، وصحّحه الألباني في «الصحيحة» (٢/ ٧٣٦) رقم (٣٩٧٣).

(٢) أخرجه أبو داود في «الطّبّ»، باب في الأدوية المكروهة (٣٨٧٤)، والبيهقيّ في «السنن الكبرى» (١٠/ ٩)، من حديث أبي الدّرداء رضي الله عنه. والحديث حسّنه الأرناؤوط في تحقيقه ﻟ«جامع الأصول» (٧/ ٥١٢)، وانظر «السّلسلة الصّحيحة» للألبانيّ (٤/ ١٧٤).

الخميس، 7 يوليو 2016

في حكم رقية المرأة للرجل

في حكم رقية المرأة للرجل

السؤال:
هل يجوز للمرأة مُداواةُ الرجلِ أو رُقْيتُه عند عدَمِ وجودِ مَنْ يقوم بعلاجه مِنَ الرجال؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فمُداواةُ المرأةِ للرجل الأجنبيِّ أو رقيتُه تجوز للحاجة أو للمصلحة الراجحة وبالضوابط الشرعية مِنْ أَمْنِ الفتنة وعدَمِ الخلوة، مع الالتزام بالآداب والأحكام الشرعية التي تَلْتَزِمُ بها المرأةُ في لباسها وكلامها وزينتها، وفي نظَرِها إلى الأجنبيِّ ونظرِ الأجنبيِّ إليها، أي: ألَّا يكون في مُداواتها له أو في خروجها مفسدةٌ، لا سيَّما عند انعدامِ مَنْ يقوم بذلك مِنَ الرجال. ويشهد لذلك: قصَّةُ الشِّفاءِ بنتِ عبد الله في الرجل الذي خرجَتْ به النملةُ؛ فقَدْ روى الحاكمُ بالسند الصحيح: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَرَجَتْ بِهِ نَمْلَةٌ [أي: قروحٌ تخرج في الجنب، وقد تخرج في غير الجنب]؛ فَدُلَّ أَنَّ الشِّفَاءَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ تَرْقِي مِنَ النَّمْلَةِ؛ فَجَاءَهَا فَسَأَلَهَا أَنْ تَرْقِيَهُ، فَقَالَتْ: «وَاللهِ مَا رَقَيْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ»، فَذَهَبَ الأَنْصَارِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالَتِ الشِّفَاءُ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّفَاءَ فَقَالَ: «اعْرِضِي عَلَيَّ»؛ فَأَعْرَضَتْهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: «ارْقِيهِ وَعَلِّمِيهَا حَفْصَةَ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الكِتَابَ»»، وفي روايةٍ: «الكِتَابَةَ»(١).
وما رواهُ البخاريُّ عن الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنهما قالَتْ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْقِي وَنُدَاوِي الجَرْحَى وَنَرُدُّ القَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ»(٢)، وما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ ـ أيضًا ـ: «أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَتَا تَنْقُلَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ»(٣).
وفي «صحيح مسلمٍ» عن أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ المَاءَ وَيُدَاوِينَ الجَرْحَى»(٤).
ومِنَ الحاجةِ والمصلحة ـ أيضًا ـ خدمةُ الضيوف، وقَدْ جاء في الحديث المُتَّفَقِ عليه أنه: «لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا امْرَأَتُهُ أُمُّ أُسَيْدٍ»(٥).
فإنَّ مِثْلَ هذه الأعمالِ مِنْ جهادٍ وخدمةِ ضيوفٍ ونحوِ ذلك تُحقِّقُ مصلحةً شرعيةً أجازَ الشرعُ للنساءِ القيامَ بها.
والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٠٥ جمادى الأولى ١٤١٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ سبتمبر ١٩٩٧م

(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٦٨٨٨)، مِنْ حديثِ الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها. [انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (١٧٨)]. ورواية: «الكِتَابَةَ» أخرجها أحمد في «المسند» (٢٧٠٩٥)، وأبو داود في «الطبِّ» بابُ ما جاء في الرُّقى (٣٨٨٧)، مِنْ حديثِ الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها.
(٢) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ مُداواة النساءِ الجرحى في الغزو (٢٨٨٢) مِنْ حديثِ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعوِّذٍ رضي الله عنهما.
(٣) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَرِ» باب غزوِ النساء وقتالهنَّ مع الرجال (٢٨٨٠)، ومسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٨١١)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.
(٤) أخرجه مسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٨١٠) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.
(٥) أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ قيامِ المرأةِ على الرجال في العرس وخدمتِهم بالنفس (٥١٨٢)، ومسلمٌ في «الأشربة» (٢٠٠٦)، مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ الساعديِّ رضي الله عنهما.

السبت، 2 يوليو 2016

التحقيق في خُطبة العيد ومحلِّ قيام الخطيب للشيخ فركوس

في التحقيق في خُطبة العيد ومحلِّ قيام الخطيب

السؤال:
هل خُطبة العيدين خُطبةٌ واحدةٌ أم ثنتان كخطبتَيِ الجمعة؟ وإذا أُقيمت صلاة العيد في المسجد: فهل يُلقي الإمامُ الخطبةَ على المنبر أو قائمًا على الأرض كما تؤدَّى في المصلَّى؟ وبارك الله فيكم.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فالأقربُ إلى الصواب مِن قَوْلَيِ العلماءِ أنَّ خُطبة العيد خطبةٌ واحدةٌ لم يَثْبُتِ الجلوسُ في وسطها كهيئة الجمعة، وهو المنقول عن الخلفاء: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ والمغيرة بنِ شعبة رضي الله عنهم، خلافًا لِمَا عليه المذاهبُ الأربعةُ وابنُ حَزْمٍ وهو مذهب الجمهور؛ لأنَّ إطلاق الخُطبة ـ في الأصل ـ ينصرف إلى الواحدة إلَّا إذا جاء دليلٌ على أنها خُطبتان، وقد ورد في السُّنَّة الصحيحة وغيرِها مثلُ هذا الإطلاق كما جاء مِن حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ»(١)، وكذا ثبت عن ابن عمر(٢) وجابرِ بنِ عبد الله(٣) رضي الله عنهم، وأمَّا إطلاقُ الخطبة على خطبتَيِ الجمعة فلوجود ما يرجِّحه، ويؤيِّد هذا المعنى ما ثبت في الصحيحين مِن جواز خطبة العيد على الراحلة مِن حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: «لَمَّا كَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ… «أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ»…»(٤)، ومفادُ مشروعية الخُطبة على الراحلة عدمُ الفصل بين الخطبتين بجلوسٍ؛ لأنه إنما خطب جالسًا على راحلته، وقد كان يفعله الصحابةُ رضي الله عنهم، فقد نُقِل عن إبراهيم النخعيِّ قولُه: «كَانَ الإِمَامُ يَوْمَ العِيدِ يَبْدَأُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ فَيَخْطُبُ»(٥)، وعن ميسرة أبي جميلة قال: «شَهِدْتُ مَعَ عَلِيٍّ العِيدَ، فَلَمَّا صَلَّى خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ»، قَالَ: «وَكَانَ عُثْمَانُ يَفْعَلُهُ»(٦).
نعم لو ثبت أثرُ عبد الله بنِ عُتبة قال: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الإِمَامُ فِي العِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ»(٧)، وما أخرجه ابن ماجه مِن حديث جابرٍ رضي الله عنه قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَخَطَبَ قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ»(٨)؛ لَلَزم حملُ الدليلين المتعارضين على تغايُر الحال فيجوز الأمران جمعًا بين الأدلَّة وهو أَوْلَى مِن الترجيح، لكنَّ كِلَا الحديثين ضعيفٌ لا يُحتجُّ به. قال النوويُّ: «ولم يثبت في تكرير الخُطبة شيءٌ، ولكنَّ المعتمد فيه القياسُ على الجمعة»(٩)، وقال الصنعانيُّ: «وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة وأنه يقعد بينهما، ولعلَّه لم يثبت ذلك مِن فعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما صَنَعه الناسُ قياسًا على الجمعة»(١٠).
ولا يخفى أنَّ هذا اعتمادٌ على قياسٍ لم تُدْرَكْ عِلَّتُه وطريقُ صحَّته غيرُ ناهضٍ لعدم معقولية المعنى فيه مِن جهةٍ، ولأنه ـ مِن جهةٍ أخرى ـ ثبتت خُطبتا الجمعة بالدليل خروجًا عن الأصل، و«مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ»، ولو صحَّ القياسُ لَلزم ما يَلزم الجمعةَ مِن جملة أحكامٍ مغايرةٍ للعيد مِن حيث إيقاعُها بعد الخُطبة وجوازُ صلاتها قبل الزوال وبعده وغيرُها مِن الأحكام، وإذا بَطَلَ اللَّازِمُ بَطَلَ الملزومُ، ثمَّ لِمَ لا يقاس بما هو أقربُ منها وهي خُطبة يومِ عَرَفَةَ بِنَمِرَةَ؟ فقد كانت خُطبةً واحدةً على الصحيح، قال ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وَهِمَ مَن زعم أنه خطب بعرفة خُطبتين جلس بينهما ثمَّ أذَّن المؤذِّن، فلمَّا فرغ أخذ في الخطبة الثانية، فلمَّا فرغ منها أقام الصلاةَ، وهذا لم يجئ في شيءٍ مِن الأحاديث ألبتَّةَ، وحديثُ جابرٍ صريحٌ في أنه لمَّا أكمل خُطبتَه أذَّن بلالٌ وأقام الصلاةَ فصلَّى الظهرَ بعد الخطبة»(١١).
هذا، والمعلوم في السنَّة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يصلِّ العيدَ إلَّا في المصلَّى ولم يثبت عنه أنه كان يُخْرِجُ المنبرَ إلى أرضية المصلَّى، ولا أنه كان يرتقي على شيءٍ إلَّا على راحلته، فتحقَّق أنَّ خُطْبتَهُ إمَّا على الراحلة كما تقدَّم، وإمَّا قائمًا على الأرض. وقد صحَّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم «كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَامَ [قَائِمًا](١٢) [عَلَى رِجْلَيْهِ](١٣) فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ [بِوَجْهِهِ](١٤) وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا»، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ»(١٥)، وفيه دليلٌ على قيام الإمام في خُطبة العيد على رجليه، فظهر مِن الحالتين أنْ لا تعدُّدَ في الخطبة ولا فَصْلَ بينها بالجلوس، إذ يتعذَّر في الأولى ولم يُنقل في الثانية.
ويمكن الاستئناسُ بمرسَلِ عطاءٍ عندما سُئل عن الخروج يوم الفطر إلى الصلاة أنه قال: «مَا جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَرٍ حَتَّى مَاتَ، مَا كَانَ يَخْطُبُ إِلَّا قَائِمًا، فَكَيْفَ يُخْشَى أَنْ يَحْبِسُوا النَّاسَ؟ وَإِنَّمَا كَانُوا يَخْطُبُونَ قِيَامًا لَا يَجْلِسُونَ، إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَرْتَقِي أَحَدُهُمْ عَلَى المِنْبَرِ فَيَقُومُ كَمَا هُوَ قَائِمًا، لَا يَجْلِسُ عَلَى المِنْبَرِ حَتَّى يَرْتَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا يَنْزِلُ، وَإِنَّمَا خُطْبَتُهُ جَمِيعًا وَهُوَ قَائِمٌ، إِنَّمَا كَانُوا يَتَشَهَّدُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً، الأُولَى» قَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ إِلَّا مِنْبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ مُعَاوِيَةُ حِينَ حَجَّ بِالمِنْبَرِ فَتَرَكَهُ»، قال: «فَلَا يَزَالُونَ يَخْطُبُونَ عَلَى المَنَابِرِ بَعْدُ»(١٦). فهذا الأثر يفيد أنَّ الخُطبةَ كانت واحدةً ولم يكن لهم مِنْبَرٌ في المصلَّى حيث كانوا يخطبون قيامًا مِن جلوسٍ.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٧ ربيع الأوَّل ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ مارس ٢٠٠٧م

(١) أخرجه البخاري في «العيدين» باب الخطبة بعد العيد (٩٦٢) من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.
(٢) أخرجه البخاري في «العيدين» باب الخطبة بعد العيد (٩٦٣)، ومسلم في «صلاة العيدين» (٨٨٨)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) أخرجه البخاري في «العيدين» باب المشي والركوب إلى العيد، والصلاة قبل الخطبة بغير أذانٍ ولا إقامةٍ (٩٥٨)، ومسلم في «صلاة العيدين» (٨٨٥)، من حديث جابرٍ رضي الله عنه.
(٤) أخرجه البخاري في «العلم» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (٦٧)، ومسلم في «القسامة والمحاربين» (١٦٧٩)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٥٨٦٢).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٥٨٥٥).
(٧) أخرجه الشافعي في «الأمِّ» (١/ ٢٧٣)، والبيهقي (٦٢١٣). وضعَّفه النووي في «الخلاصة» (٢/ ٨٣٨).
(٨) أخرجه ابن ماجه في «إقامة الصلاة» باب ما جاء في الخطبة في العيدين (١٢٨٩)، من حديث جابرٍ رضي الله عنه. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١/ ٢٣٤): «هذا إسنادٌ فيه إسماعيل بن مسلمٍ وقد أجمعوا على ضعفه، وأبو بحرٍ ضعيفٌ»، وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٧٨٩): «منكرٌ»، وأشار إلى ضعفه ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في «فتح الباري» (٦/ ٩٩).
(٩) «الخلاصة» للنووي (٢/ ٨٣٨).
(١٠) «سبل السلام» للصنعاني (٢/ ٦٧٠).
(١١) «زاد المعاد» (٢/ ٣٠٦).
(١٢) أخرجه البيهقي (٦٢٠٤).
(١٣) أخرجه ابن ماجه في «إقامة الصلاة» باب ما جاء في الخطبة في العيدين (١٢٨٨).
(١٤) أخرجه النسائي في «صلاة العيدين» باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة (١٥٧٦).
(١٥) أخرجه مسلم في «صلاة العيدين» (٨٨٩)، وانظر الزيادات في «السلسلة الصحيحة» (٢٩٦٨).
(١٦) أخرجه عبد الرزَّاق (٥٦٥٠).

الأربعاء، 20 أبريل 2016

في حكم صومِ تاركِ الصلاة


في حكم صومِ تاركِ الصلاة

السؤال:
هل صيامُ تاركِ الصلاةِ جائزٌ صحيحٌ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ بين أهل العلم في عدَمِ صحَّةِ صيامِ مَن تَرَكَ الصلاةَ مُنْكِرًا فرضيَّتَها جاحدًا وجوبَها؛ لأنه كافرٌ كفرًا مُخْرِجًا مِن الملَّة قولًا واحدًا(١)، وأعمالُ الكُفَّارِ تقع باطلةً لأنَّ صحَّةَ العملِ مشروطةٌ بالإيمان، وهو ـ في هذه الحالِ ـ مُنْتَفٍ عنه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].

أمَّا تارِكُ الصلاةِ عمدًا وكسلًا وتهاونًا مع الإقرار بفرضيَّتها فحكمُه مختلَفٌ فيه بين أهل العلم(٢) بين مكفِّر له لورودِ نصوصٍ شرعيَّةٍ تقضي بذلك، وبه قال الإمام أحمدُ وغيرُه، وغيرِ مكفِّرٍ لتارِكها لوجود أدلَّةٍ أخرى مانعةٍ مِن تكفيره، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة وغيرُهم.

وتخريجُ هذه المسألةِ مَرَدُّها إلى حكمِ تكفيره:

ـ فمَن كفَّر تارِكَ الصلاةِ عمدًا وتهاونًا أَلْحَقَه بالمُنْكِر لفرضيتها فلم يعتدَّ بصيامه وسائرِ أعماله ـ كما تقدَّم ـ لانتفاءِ شرطِ الإيمان الذي يتوقَّف عليه صحَّةُ عملِه وصيامِه.

ـ ومَن لم يكفِّره عَدَّه مؤمنًا عاصيًا ولم يُخْرِجه مِن دائرة الإيمان، وبناءً عليه تصحُّ أعمالُه وصيامُه لوجود الإيمان المشروط في الأعمال والعبادات.

والراجح في المسألة هو التفصيل، ووجهُه: أنَّ مَن تَرَكَ الصلاةَ كلِّيَّةً ومات مُصِرًّا على الترك فلا يكون مؤمنًا ولا يصحُّ منه صومٌ ولا عَمَلٌ، وهو المعبَّر عنه بالترك المطلق، أمَّا مَن يصلِّي ويترك فهذا غيرُ مُحافِظٍ عليها وليس بكافرٍ، بل هو مسلمٌ يدخل تحت المشيئة والوعيد ويصحُّ صومُه، وهو المعبَّر عنه بمطلق الترك، ويؤيِّده قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»(٣)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلَّا قِيلَ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ»(٤).

وهذا التفصيلُ مِن اختياراتِ شيخ الإسلام ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ ذي القعدة ١٤٢٦ﻫ
المـوافق ﻟ: ١٨ ديسمبر ٢٠٠٥م




(١) انظر تقرير الإجماع في: «المقدِّمات الممهِّدات» لابن رشد (١/ ١٤١)، «المغني» لابن قدامة (٧/ ١٣١)، «المجموع» للنووي (٣/ ١٤).

(٢) انظر: «المقدِّمات الممهِّدات» لابن رشدٍ الجدِّ (١/ ١٤١)، «بداية المجتهد» لابن رشدٍ الحفيد (١/ ٩٠)، «المجموع» للنووي (٣/ ١٦).

(٣) رواه أبو داود في «الوتر» بابٌ فيمن لم يوتر (١٤٢٠)، والنسائي في «الصلاة» باب المحافظة على الصلوات الخمس (٤٦١)، وأحمد (٢٢٦٩٣)، مِن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ٨٨) رقم: (٣٧٠) وفي «صحيح الجامع» (٣٢٤٣).

(٤) رواه أبو داود في «الصلاة» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «كلُّ صلاةٍ لا يُتِمُّها صاحبُها تُتَمُّ مِن تطوُّعه» (٨٦٤)، والترمذي في «الصلاة» باب ما جاء أنَّ أوَّل ما يحاسَب به العبدُ يوم القيامة الصلاةُ (٤١٣)، والنسائي في «الصلاة» باب المحاسبة على الصلاة (٤٦٦)، وابن ماجه في «إقامة الصلاة والسنَّة» باب ما جاء في: أوَّلُ ما يحاسَب به العبدُ الصلاةُ (١٤٢٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٠٢٠).

(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٤ ـ ٦١٦، ٢٢/ ٤٩).


الخميس، 7 أبريل 2016

تكرار التوبة من الكبيرة


تكرار التوبة من الكبيرة

السؤال: ما حكم من يرتكب الكبائر وأمَّ الكبائر ثمَّ يتوب عنها ويعود إلى الله ومع مرور الوقت يعود إلى هذه الكبائر، هل تُقبل التوبة منه مرَّةً أخرى؟
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فإنَّ نفس التائب هي إمَّا نفسٌ لوَّامةٌ، وإمَّا نفسٌ مسوِّلةٌ، والتوبة مقبولةٌ إذا استجمعت شروطها لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وفي الحديث «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»(١)، فإنَّ من أقدم على معصيةٍ بعد توبته من غير قصدٍ ولام نفسه وندم وتأسَّف وجدَّد عزمه على أن يتشمَّر للاحتراز من أسبابها التي تعترض لها فهذه هي النفس اللوَّامة، لا تُلحق صاحبَها بدرجة المصرِّين ولا تنتقص توبتَه، أمَّا من أقدم على معصيةٍ عن قصدٍ لعجزه عن قهر شهوته مع مداومته على الطاعات لكنْ تسوِّل له نفسه ويسوِّف توبته يومًا بعد آخر فهذه هي النفس المسوِّلة، فهذا من حيث مداومته على الطاعة وكراهية ما يفعله مرجوٌّ عودته إلى التوبة غير أن عاقبتها خطيرةٌ نتيجةَ تسويفه وتأخيره التوبةَ، إذ قد يخترمه الموت ولم يتب منها، وأمرُه في ذلك على المشيئة.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.
الجزائر في: ٢٩ ذي القعدة ١٤٢٢ﻫ
الموافق ﻟ: ٢١ جانفي ٢٠٠٢م

(١) أخرجه الترمذي في «صفة القيامة والرقائق والورع» (٢٤٩٩)، وابن ماجه في «الزهد» (٤٢٥١)، عن أنسٍ رضي الله عنه، وحسَّنه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» (٤٥١٥).

الاثنين، 28 مارس 2016

من هم الوهابيون ؟ ما هي حكومتهم ؟ ما هو مذهبهم ؟


من هم الوهابيون ؟
ما هي حكومتهم ؟
ما هو مذهبهم ؟

الخميس، 7 يناير 2016

حكم قيادة المرأة للسيَّارة


الفتوى رقم: ٥٥٣
الصنف: فتاوى الأسرة - المرأة

في حكم قيادة المرأة للسيَّارة

السؤال:
ما حكم سياقة السيَّارة بالنسبة للمرأة وقيادتها لها؟
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:
فالأصل أنَّ ركوب السيَّارة وغيرِها مِن المراكب جائزٌ للذكور والإناث، لأنَّ الأصل في العادات الجوازُ والإباحة، وقد كان ركوبُ الدابَّة وسَوْقُها أمرًا مشروعًا للجنسين في العهد الأوَّل، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»(١) أي: في الأحكام، ويؤيِّد ذلك ما أخبر به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن مستقبَل الإسلام وانتشاره بقوله لعديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه: «... فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ»(٢)، والظعينةُ: المرأةُ في الهودج(٣)، والهودجُ: أداةٌ ذاتُ قُبَّةٍ توضع على ظهر الجمل لتركَب فيها النساءُ(٤)، وهذا الحكم مِن حيث السياقةُ في حدِّ ذاتها وتعلُّمها.
أمَّا إذا كان تعلُّمُ سياقة السيَّارة للمرأة وقيادتُها يفضي إلى مفاسدَ ومهالكَ كإسقاط الحجاب، وحصولِ التبرُّج والاختلاط، وإفساد المجتمع، وتعريض المرأة لمختلف أنواع الابتزاز والأذى؛ فإنَّ ذلك يُمنع سدًّا لذريعة المحرَّم، حفاظًا على دين المرأة واحتياطًا لسمعتها وكرامتِها، وحمايةً لها مِن طمعِ مرضى القلوب ومِن عدوان ذئاب الأعراض.
علمًا أنَّ: «مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ»(٥) إذا توفَّرت ضوابطُها الشرعية(٦) كما هو مقرَّرٌ في القواعد العامَّة.
والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٧ ربيع الثاني ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦ مـاي ٢٠٠٦م

(١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» باب في الرجل يجد البلَّة في منامه (٢٣٦)، والترمذي في «أبواب الطهارة» بابٌ فيمن يستيقظ فيرى بللًا ولا يذكر احتلامًا (١١٣)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٣).
(٢) أخرجه البخاري في «المناقب» باب علامات النبوَّة في الإسلام (٣٥٩٥) مِن حديث عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه.
(٣) انظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٥٠)، «الزاهر» للأنباري (٢/ ٤٧).
(٤) «المعجم الوسيط» (٢/ ٩٧٦).
(٥) انظر هذه القاعدةَ في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٢٥١، ٢٢/ ٢٩٨)، «زاد المعاد» لابن القيِّم (٢/ ٢٤٢، ٤/ ٧٨).
(٦) انظر ضوابطَ الضرورة الشرعية على الموقع في الفتوى رقم: (٦٤٣) الموسومة ﺑ: «في ضوابط قاعدة «الضروراتُ تبيح المحظوراتِ»».

الأربعاء، 9 ديسمبر 2015

قصة الخوارج


الأربعاء، 2 ديسمبر 2015

حكم الاحتفال بمولد خير الأنام عليه الصلاة والسلام


في شرطي قبول العبادة

قد قَرَّرَ أهلُ السُّنَّة والجماعةِ أنَّ العِبادةَ لا تقع صحيحةً ولا مقبولةً إلاَّ إذا قامت على أصلين عظيمين:

أولهما: عبادة الله وحده لا شريك له، أي: الإخلاص، بأن تكون العبادةُ خالصةً لله تعالى من شوائبِ الشِّرك، إذ كلُّ عبادةٍ خالطها شركٌ أبطلها؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥-٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].

كما أنَّ الأصلَ يقتضي أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الشارع الوحيد لها، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية]، وقال سبحانه عن نبيِّه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩]، ومعنى ذلك أنَّ العبادة التي شرعها الله تعالى توقيفيةٌ في هيئتها وعددِها ومواقيتِها ومقاديرِها، لا يجوز تعدِّيها وتجاوزها بحال، ولا مجال للرأي فيها، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].

ثانيهما: عبادة الله بما شرع على لسان نَبيِّه صلّى الله عليه وسلّم، ويظهر من هذا الأصل أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم هو المبلِّغُ الوحيدُ عن الله تعالى، والمبيِّنُ لشريعته قولًا وفِعلًا، أي: هو القُدوة في العبادة، ولا يُقضى بصلاح العبادة وصوابها إلَّا إذا قُيِّدَتْ بالسُّنَّة والإخلاص، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٠]. وقد أمر اللهُ تعالى بطاعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وجعل طاعتَه من طاعة الله، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١).

ولقد بيَّن النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هذا الدِّينَ وأدَّى واجبَ التبليغِ خيرَ أداءٍ، وامتثل لأمر ربِّه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقام به أتمَّ قيام، وقد أتمَّ اللهُ به هذا الدِّينَ فلا ينقصه أبدًا ورضيه فلا يسخطه أبدًا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فَكَمُلَتِ الشريعةُ واستغنَت عن زيادةِ المبتدعين واستدراكاتِ المستدركين، قال صلّى الله عليه وسلّم: «وَايْمُ اللهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ»(٢)، وقد شَهِدَتْ له أُمَّتُهُ بإبلاغ الرِّسالة وأداءِ الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خُطبته يومَ حَجَّة الوداع، وقد سار على هديه الشريفِ أهلُ الإيمان من سلفنا الصالح من الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان، غير مبدِّلين ولا مغيِّرين، سالكين السبيل المستقيمَ، فمن جانبه وحادَ عنه ساء مصيرُه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].

حدث الاحتفال بالمولد ومصدره الأوّل


فهؤلاء هم أهلُ محبَّةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، الصادقون في توقيره وتعظيمه والتزام شرعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتسليم لأحكامه، والتأسِّي به في الظاهر والباطن، استجابة لله سبحانه في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، قال ابن كثير رحمه الله: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كلِّ مَن ادَّعَى محبَّةَ الله وليس هو على الطريقة المحمَّدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرعَ المحمَّدِيَّ والدِّين النبوي في جميع أقواله وأفعاله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٣)، … وقال الحسن البصريُّ وغيرُه من السلف: «زعم قوم أنهم يحبُّون اللهَ فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]»»(٤).

وتفريعًا على ما تقدَّم فإنَّ الاحتفالَ بالمولد النبويِّ الذي أحدثه بعضُ الناس إمَّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى عليه السّلام، وإمَّا محبّةً للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له -زعموا-، يُعتبر من البدع المحدثة في الدِّين التي حَذَّرَ الشرع منها؛ لأنَّ هذا العملَ ليس له أصلٌ في الكتاب والسُّنَّة، ولم يتخذ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم موالد لأحدٍ من سابقيه من الأنبياء والصالحين، ولا لأبيه آدم عليه السّلام، ولا لمن مات قبله مثل: عمِّه حمزة، وزوجته خديجة رضي الله عنهما، ولم يُؤْثَرْ عن الصحابة والتابعين إحياءُ مِثْلِ هذه الموالدِ والاحتفال بها، أي: لم ينقل عن أهل القرون المفضَّلة إقامة هذا العمل، ولا عن الأئمَّة أصحاب المذاهب الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فلو كان الاحتفال بالمولد مشروعًا لكان محفوظًا؛ لأنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظ شرعه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، ولو كان محفوظًا ما تركه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون رضي الله عنهم، ولو كانت عبادة خيِّرة متجلية في محبة الرسول صلّى الله عليه وسلّم لسبقونا إليها، فلمَّا لم يفعلوا عُلم أنَّه ليس من دين الله تعالى، قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٥)، وفي رواية لمسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٦)، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»(٧)، قال حذيفة رضي الله عنه: «كُلُّ عِبَادَةٍ لَا يَتَعَبَّدُهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فَلَا تَعَبَّدُوهَا، فَإِنَّ الأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلآخِرِ مَقَالاً»(٨)، وقال عبدُ الله ابن مسعود رضي الله عنه: «اتَّبِعُوا ولَا تَبْتَدِعُوا فقَدْ كُفِيتُمْ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»(٩).

وَخَيْرُ الأُمُورِ السَّالِفَاتُ عَلَى الهُدَى * وَشَرُّ الأُمُورِ المُحْدَثَاتُ البَدَائِعُ
وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ * وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ

هذا، وإنَّما حدث ذلك في دولة بني عُبَيْدٍ من الشِّيعة الرافضة، المتسمِّين بالفاطميِّين، وقد أحدث القومُ عِدَّة موالدَ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولآل البيت، ولغيرهم من الأولياء والصالحين، بل لغيرهم من أهل الضلال والباطل من الخرافيِّين والقبوريِّين، فاحتفلوا بموسم رأس السَّنَة اقتداء باليهود، وبمولد النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم اقتداءً بالنصارى، وبيوم عاشوراء، ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد فاطمة رضي الله عنها، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النَّوْرُوزِ، وغيرها كثير.

وأوَّل من أحدثه المعزّ لدِين الله سَنَة (٣٦٢ﻫ) بالقاهرة، واستمرَّ الاحتفال به إلى أن ألغاه الأفضل أبو القاسم أمير الجيوش ابن بدر الجمالي، ووزير الخليفة المستعلي بالله، سنة (٤٩٠ﻫ)(١٠).

ثمَّ جاء من بعدهم عمر بن محمَّد المُلا الإِرْبِليّ(١١) أحد الصوفية المشهورين(١٢)، فكان أول من أعاد إحياء بدعة المولد بالموصل(١٣)، وبه اقتدى ملك إربل(١٤) وغيره.

ومعنى ذلك أنَّ هذه الموالدَ من حوادث الفاطميِّين الباطنيِّين الروافض، وهم أول المروِّجين لها، الساعين لنشرها كما ذكرت كتب التاريخ، تشبُّهًا بمن أُمرنا بمخالفتهم وتقليدًا لمن نُهينا عن اتباعهم -من اليهود والنصارى- في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلكتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ والنَّصَارَى ؟ قَالَ: فمن ؟!»(١٥)، ولا ريب أنَّ الرافضة من أشدِّ الناس تأثُّرًا باليهود والنصارى لذلك شابهوهم في كثرة الأعياد، والصور، ومعظم الأفكار والمعتقدات، إذ لا يخفى على مُتمعِّنٍ في أصول الروافض أنَّ الجذور العقدية للتشيُّع تحمل بصمات وثنية آشورية بابلية ظاهرة، كما أنَّ أقوالهم في عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه وفي الأئمَّة من آل البيت تلتقي مع أقوال النصارى في المسيح عيسى عليه السّلام جملةً وتفصيلًا، ولا غَرْوَ في ذلك، فإنَّ مؤسِّس الأصول العقدية للرافضة هو: عبد الله بن سبأ اليهودي الحميري من اليمن، الذي أسلم ظاهرًا ونقل ما وجده في الفكر اليهودي ومعتقده إلى التشيُّع(١٦).

حوادث ومنكرات


لم يعرف المسلمون الموالدَ قبل القرن الرابع الهجري، ولم يفعله السلفُ مع قيام المقتضي له، وانتفاءِ المانع، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحقَّ به مِنَّا؛ فإنَّهم كانوا أشدَّ محبةً للرسول صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له منَّا، وهم على الخير أحرص، كما صرَّح بذلك شيخ الإسلام في «الاقتضاء»(١٧)، عِلمًا أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(١٨)، والمهديُّون من الخلفاء لم يفعلوا هذا العمل، وإنَّما مصدر الحدث العبيديون (الفاطميُّون) الروافض أوّلًا، ثُمَّ تَلَقَّتْهُ عنهم الصوفية مشاكلة، فاتخذوا المولدَ النبويَّ عِيدًا دينيًّا، فابتدعوا في الاحتفال به بدعًا محدثة بدعوى محبَّة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم -زعموا- من إيقاد الشموع وإشعال الأضواء وتنوير البيوت والمساجد والأضرحة بها، مع تهييج الوضع بالمفرقعات بشتَّى ألوانها وأنواعها على وجه المرح واللعب، والإسراف في نفقات الزينة وتبذير الأموال لإقامة الحفلات وإطعام الطعام، وما ترتِّبه وسائلُ الإعلام السمعية والمرئية بهذه المناسبة من الأغاني والموسيقى والمدائح الشعبية، واختلاط الرجال بالنساء على وجهٍ غير مَرْضِيٍّ، وما ينشط فيه الكُتَّاب والشعراء في مدح النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وذِكْرِ سيرته بمساعدة بعض الصحف والمجلَّات التي تفسح مجالاتٍ لأهل الهوى والرَّدَى ومرضى القلوب في نشر مقالات التهكُّم والتضليل والتمييع، مع ما فيها من غلوٍّ وخطإ في المعلومات المبثوثة والأحكام الشرعية المعروضة، مصحوبة بطابع الاستفزاز والتحدِّي، والأدهى والأَمَرُّ طريقةُ أهل الطرق الصوفية في الاحتفال بالمولد النبوي فإنَّهم يجسِّدون المظهر الديني بالاجتماع حول الضريح وإنشاد المدائح والأذكار الخاصَّة، وما يقرأونه من المؤلَّفات الموضوعة عن صاحب المولد متبوعًا بدق الطُّبول والرقص البهلواني والتصفيق، وقِلَّة احترام كتاب اللهِ فَضلًا عمَّا تتضمَّنه قصائدُهم ومدائحُهم النبوية من غلوٍّ وإطراءٍ حذَّر منه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «لاَ تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصارَى ابنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّما أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»(١٩).

وهذا غَيْضٌ من فَيْضٍ من الأعمال التي لا تخرج -في طابعها العامِّ- عن الاحتفال الشعبي «الفولكلوري» المصطبغ بالصبغة الدينية، وترعاه الهيئات الرسمية التي تعتبر المولدَ النبويَّ عيدًا شرعيًّا وتمنح فيه الإجازات والعطل الرسمية مع أنَّ الشارعَ حَدَّدَ أعياد المسلمين بعِيدَيْنِ دون غيرهما، فقد روى أنسٌ رضي الله عنه قال: «قَدِمَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فيهِمَا فَقَالَ: مَا هَذَانِ اليَوْمَانِ ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا في الجَاهِليَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّ اللهَ قَدْ أبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الفِطْرِ»(٢٠).

وعجبي لا ينقطع من فئةٍ من الدعاة تدَّعي سلوكَ الطريقة التي كان عليها الصحابة والتابعون ومَن تبعهم بإحسان من التمسُّك بالكتاب والسُّنَّة، وتقديمهما على ما سواهما، والعمل على مقتضى فهم السلف الصالح الذين اتفقت الأُمَّة على إمامتهم وعدالتهم، ثمّ لما قَويت شوكةُ الصُّوفية في البلاد تجدهم يشاركونهم في الموكب، ويجتمعون معهم على الموائد والزُّرَد والصُّحُون، ويبذلون الجهد في تسويغ أفعالهم بالبحث عن الشُّبُهات وحَشْدِ أقوالِ العلماء وينسجونها نسجًا ليُكوِّنوا بها أدلَّةً -زعموا- بُغْيَةَ إضفاء الشرعية على مواقفهم، ولئلَّا تضيع مختلف مصالحهم وشتى مآربهم، يُرضُونهم مداهنة متمثِّلين بمقولة القائل: «ودَارِهِمْ مَا دُمْتَ في دَارِهِمْ، وأَرْضِهِمْ مَا دُمْتَ في أَرْضِهِمْ»، وقد غفلوا أنَّ الله تعالى أحقُّ أن يُرضُوه إن كانوا مؤمنين وصادقين، قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أرْضَى اللهَ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ، وَمَنْ أسْخَطَ اللهَ بِرِضَى النَّاسِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ»(٢١).

والأعجب من ذلك أنَّه إذا ما اجتمعت كلمةُ أهلِ السُّنَّة على الحقِّ والدِّين وتعزَّزت وحدتها غيَّروا مواقفهم وتدافعوا إلى طليعتها موجِّهين ومنذرين، وقد أخبر الله تعالى عن مثل هذا الصِّنف من الناس بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ. وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠-١١].

شبهات وتلبيسات


وعادة أهل الأهواء التمسُّك بالشُّبُهات يُلبِّسونها على العوامِّ وسائرِ من سار على طريقتهم، يحسبها الجاهل -بحسن ظنِّه- أدلة الشرع وأحكامه(٢٢)، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].

ومن جُملة الشُّبهات وأهمِّ التعليلات: استنادهم إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، على أنَّ في الآية أمرًا بالفرح بمولده صلّى الله عليه وسلّم والاحتفال به، وقولِه تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، ليشكروا اللهَ على نعمة مَولد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ففي الآية دليلٌ -في اعتقادهم- على جواز تخصيص شهر ربيع الأول، وليلة: «١٢ ربيع الأول» منه للابتهاج والفرحة بمولده، وإفهام الناس سيرة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأخلاقه ومعجزاته وشمائله، وما لقيه في دعوته من المِحَنِ والشدائد، وهو صبَّار على طاعة الله وعن محارمه وعلى أقداره، شكورٌ قائمٌ بحقوق الله يشكر اللهَ على نعمه، كُلُّ ذلك من التذكير بأيَّام الله، وجاء تأييدهم لذلك بما ورد في صحيح مسلم: أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ عن صوم الإثنين ؟ فقال: «فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ»(٢٣)، ووجهه أنه يدلُّ على شرف ولادته صلّى الله عليه وسلّم، ويفيد شرعية الاحتفال بمولده، كما احتجُّوا على جواز المولد بأنَّ أبا لهب يُخفَّف عنه العذاب كلَّ إثنين لأنَّه أعتق ثويبة إثر بشارتها له بولادة النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم على ما جاء في البخاري: «قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لهَبٍ كَانَ أَبُو لَهبٍ أَعْتَقَها فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهبِ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ ؟ قَالَ أَبُو لَهبٍ: لَمْ ألْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ»(٢٤)، ولما كان فرحه بولادة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم سببًا في تخفيفِ العذاب عنه فذلك دليلٌ على جواز الفرح والابتهاج بيوم مولِدِه والاحتفال به(٢٥)؛ ولأنَّ الغرض من إقامة مولده صلّى الله عليه وسلّم -كما قرَّره أهل الطرق- هو شُكْرُ الله على نعمة إيجاده، وتخصيص شكر الله تعالى عليه إنما يكون بإقامة الولائم وإطعام الطعام والتوسعة على الفقراء -زعموا-، فضلًا عن أعمال البِرِّ الأخرى النافعة كالاجتماع على قراءة القرآن وتلاوته، والذِّكْرِ والصلاة على النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وسماع شمائله الشريفة وقراءة سيرته العطرة؛ كُلُّ ذلك -عندهم- محمودٌ غيرُ محظورٍ بل مطلوبٌ إحياءً للذِّكرى، معلِّلين ذلك بما حثَّ الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم أُمَّته عليه من صومِ عاشوراءَ شُكْرًا للهِ على نجاةِ موسى ومن معه، فإنَّ ذلك كُلَّهُ يُستفادُ منه شرعيةُ الاحتفال بالمولد(٢٦)، ويعكس -حالَ الاجتماع عليه- محبَّةَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمَهُ، ويذهبُ بعضُهم إلى أنَّ أعيادَ الميلاد من عادات أهلِ الكتاب، والعادة إذا تَفَشَّتْ عند المسلمين أصبحت من عاداتهم، والبدعةُ لا تندرج في العادات وإِنَّمَا تدخل في العبادات.

تفنيد الشبهات ومختلف التعليلات


ولا يخفى أنَّ تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] بمولده صلّى الله عليه وسلّم لا يَشهدُ له أيُّ تفسيرٍ، وهو مخالِفٌ لما فَسَّرَه به الصحابة الكرام والأئمَّة الأعلام، وقد جاء عنهم أَنَّ المرادَ بفضل الله: القرآن، ورحمتِه: الإسلام، وبهذا قال ابنُ عباس وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم، وعنهما –أيضًا-: فضل الله: القرآن ورحمته: أن يجعلكم من أهله، وقيل: العكس(٢٧).

فالحاصلُ أنَّ اللهَ تعالى لم يأمر عبادَه بتخصيص ليلةِ المولد بالفرح والاحتفال، وإنَّما أمرهم أن يفرحوا بالإسلام وهو دِين الحقِّ الذي أنزل على نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقد تعرَّضت الآية للبِعثة ولم تتعرَّض لولادته، قال تعالى -مُمْتَنًّا على المؤمنين-: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وفي «صحيح مسلم»: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً(٢٨)»(٢٩)، وفي رواية في «صحيح مسلم» -أيضًا- أَنَّه لَمَّا سُئِلَ عن صوم الإثنين قال: «وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»(٣٠).

أمَّا قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، فالمراد به أن يُذكِّرَهم بنِعم اللهِ ونقمه التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى: أن يَعِظَهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فإنَّ في التذكير بها لدلالات عظيمة على التوحيد وكمال القدرة لكلِّ مُؤمن، وأُردفت الآيةُ بالوصفين المذكورين وهما: «الصبر والشكر»؛ لأنَّهما ملاك الإيمان(٣١)، وقد صحَّ من حديثِ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ «شَكَرَ» فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ «صَبَرَ»، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(٣٢).

ولا يخفى أنَّ الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدَهم من أهل الإيمان الذين يصبرون في الضرَّاء ويشكرون في السَّرَّاء ويحيون سُنَّته ويتَّبعون هديَه لم يفهموا من الآية الاحتفال بالمولد لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، ولا أقاموه، وإنَّما حدث بعد القرون الثلاثة المفضَّلة.

أمَّا شبهتهم بالحديث فغاية ما يدلُّ عليه الترغيب في الصيام يومَ الإثنين(٣٣) وقد اكتفى به، وما كفى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يكفي أُمَّتَه، وما وسعه يسعها، ولذلك كان شكر الله على نعمة ولادته بنوع ما شكر به صلّى الله عليه وسلّم إنَّما يكون في هذا المعنى المشروع، ومن ناحية أخرى فإنَّ يوم الإثنين الذي هو يوم مولده صلّى الله عليه وسلّم ومبعثه -كما ورد في الحديث- قد وافق يومَ وفاته بلا خلاف(٣٤)، وعلى المشهور -أيضًا- فإنَّ ولادته ووفاته كانتَا في شهر ربيع الأول، فلماذا يفرح الناس بولادته ولا يحزنون على وفاته، إذ ليس الفرح أولى من الحزن فيه، علمًا بأنَّ وفاتَه صلّى الله عليه وسلّم مِن أعظم ما ابتلي به المسلمون، وأفجعِ ما أُصيبت به أُمَّة الإسلام، قال صلّى الله عليه وسلّم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، -أَوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ- أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ المُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي»(٣٥).

قال ابن الحاج المالكي رحمه الله: «العجب العجيب كيف يعملون المولد بالمغاني والفرح والسرور -كما تقدَّم- لأجل مولده عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر الكريم، وهو عليه الصلاة والسلام فيه انتقل إلى كرامة ربِّه عزَّ وجلَّ، وفُجعت الأُمّة فيه وأُصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا، فعلى هذا كان يتعيَّن البكاء والحزن الكثير، وانفراد كُلِّ إنسان بنفسه لما أصيب به لقوله عليه الصلاة والسلام: «لِيُعزِّ المُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِمُ المُصِيبَةُ بِي»»(٣٦).

وليس لليوم الثاني عشر من ربيع الأول -إن صحَّ أنَّه مولده- من ميزةٍ دون الأيام الأخرى؛ لأنَّه لم يُنقل عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه خصَّصه بالصيام أو بأيِّ عملٍ آخرَ، ولا فعله أهلُ القرون المفضَّلة من بعده، فدلَّ ذلك على أنَّه ليس له من فضلٍ على غيره من الأيام.

وحقيقٌ بالتنبيه: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومَن معه من الصحابة الكرام أجمعوا على ابتداء التقويم السنوي الإسلامي من التاريخ الهجري، وقد خالفوا في ذلك النصارى في البداءة حيث ابتدأوا تقويمَهم السَّنوي من يوم ولادة المسيح عيسى عليه السّلام فعن سعيد بن المسيِّب قال: «جمع عمرُ الناسَ فسألهم: من أيِّ يوم يكتب التاريخ ؟ فقال علي بن أبي طالب: مِن يوم هاجر رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم وترك أرضَ الشرك، ففعله عمر رضي الله عنه»(٣٧).

ولم يُنقل عنهم أنهم اتخذوا مولِدَه صلّى الله عليه وسلّم ولَا مبعثَه ولا هجرتَه ولَا وفاتَه عيدًا يحتفلون به، كما أنَّهم لم يقتدوا بالنصارى في وضع التاريخ الإسلامي، إذ المعلوم أنَّ من سنَّة النصارى اتخاذ موالد الأنبياء أعيادًا، فكيف يُعدل عن سُنَن الخلفاء الراشدين المهديِّين إلى الاستنان بسُنَّة النصارى الضالين ؟! وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(٣٨).

ولا يخفى أنَّ سبيل الصحابة رضي الله عنهم حقّ لازم اتباعه وقد جاء الوعيد على اتباع غيرِ سبيل المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].

أمَّا من رأى أبا لهب بعد موته في النوم أنه خُفِّف عنه بعض العذاب كلَّ ليلة إثنين(٣٩)، فجوابه من عِدَّة وجوه:

الأول: أنَّه ليس في حديث البخاري أنَّه يخفَّف عنه كُلَّ إثنين، ولا أنه أعتق ثُويبة من أجل بشارتها إيَّاه بولادته صلّى الله عليه وسلّم، وقد ذكر ابنُ حجر أنَّ أبا لهب أعتقها بعد هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم(٤٠)، وروي أنَّه أعتقها قبل ولادته بزمنٍ طويلٍ(٤١).

الثاني: أنَّه خبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدَّثه به.

الثالث: وعلى تقدير أنَّه موصول فالذي في الخبر رؤيا منام فلَا حُجَّة فيه كما صَرَّح به الحافظ ابنُ حَجَر(٤٢)، قال المعلمي رحمه الله: «اتفق أهلُ العلم أَنَّ الرُّؤْيَا لا تصلح للحُجَّة، وإنما هي تبشير وتنبيه، وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حُجَّةً شرعيةً صحيحةً»(٤٣).

الرابع: أنَّ الرائيَ له في المنام هو أَخُوهُ العباس رضي الله عنه، وذلك بعد سَنَةٍ من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر ذكره السُّهيلي(٤٤)، ولعلَّ الرَّائي لم يكن إذ ذاك قد أسلم(٤٥).

الخامس: أنَّ الخبر مخالِفٌ لظاهر القرآن والإجماع، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، ولقد كان أبو لهب من أشدِّ الناس عداوةً للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ومُبالغةً في إيذائه، الأمر الذي يهدم ما سلف من الفرح به لو صحَّ ذلك، وقد ذكر القاضي عياض انعقاد الإجماع على أنَّ الكُفَّار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذابٍ وإن كان بعضهم أشدَّ عذابًا من بعض(٤٦).

السادس: وعلى فرض التسليم والقَبول جَدَلًا بأنه خفِّف عنه لإعتاقه ثويبة بسبب ولادته وإرضاعه صلّى الله عليه وسلّم؛ فإنَّ هذا الأمر لا يخفى على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، كما لم يَخْفَ عليه تخفيف العذاب عن أبي طالب لأجل حمايته ونصرته، ومع هذا العلم لم ينقل عنه اتخاذ يوم مولده عيدًا، ولا أصحاب القرون المفضّلة بعده.

وأمَّا التوسعة على الفقراء بإطعام الطعام وغيرها من أفعال البِرِّ والإحسان فإن وقعت على الوجه الشرعي فهي من أعظم القربات والطاعات، أمَّا تخصيصها بوجهٍ لا يثبت إلَّا بنصٍّ شرعيٍّ، فإنه إذا انتفى تنتفي المشروعية، عملًا بقاعدة: «كُلُّ مَا أُضِيفَ إِلَى حُكِمٍ شَرْعِيٍّ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ»، وقاعدة: «إِذَا سَقَطَ الأَصْلُ سَقَطَ الفَرْعُ»(٤٧).

أمَّا الدروس والعِبر والعِظَات وتلاوةُ القرآن والذِّكر والصلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وقراءة سيرته وغيرها فإنَّما تشرع كلَّ وقتٍ، وفي كلِّ مكان من غير تخصيصٍ كعموم المساجد والمدارس والمجالس العامَّة والخاصَّة، وتسري عليها القاعدة السابقة: «إِذَا سَقَطَ الأَصْلُ مَعَ إِمْكَانِهِ فَالتَّابِعُ أَوْلَى»(٤٨).

وإن أُريد بالدروس والعظات وقراءة سيرته إحياء ذكره فإنَّ الله تكفَّل برفع ذكره في الدنيا والآخرة على مدار الأزمنة والدهور، فيُذكر مع الله في الأذان والخُطَب والصَّلوات والإقامة والتشهُّد ونحو ذلك، فَقَصْرُ ذِكره على يومِ مولدِه صلّى الله عليه وسلّم جفاءٌ في حَقِّهِ وتقصيرٌ في تعظيمه وتفريطٌ في توقيره ومحبَّته.

وأمَّا عاشوراء الذي حثَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على صيامه شُكرًا لله على نجاةِ موسى ومَنْ معه فإنَّما كان امتثالًا لأمرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وطاعةً له وهو شُكْرٌ لله على تأييده للحقِّ على الباطل، لكن ليس فيه دليلٌ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ على إقامة الموالد والاجتماع إليها وإحداث المواسم الدينية، لربط الأزمنة بالأحداث -زعموا-، وإنَّما التوجيه النبوي لأُمَّته أن يعبِّروا عن شكر الله بتجسيده بالصيام لا باتخاذه عيدًا يحتفل به حتَّى يُلحقَ به مولدُه صلّى الله عليه وسلّم، إذ لا يعرف في الإسلام من الأعياد السنوية إلَّا عيد الأضحى وعيد الفطر -كما تقدَّم- ولو شرعه لنا عيدًا لندب إليه ولأمَر بترك صومه؛ لأنَّ الناس يعتبرون في العيد ضيوفًا عند الله تعالى، والصوم إعراض عن الضيافة، لذلك يفسد إلحاق حكم المولد قياسًا على عاشوراء لقادح المنع، وهو منع حكم الأصل.

ثمَّ إنَّ الاحتفال بعيد ميلاد عيسى عليه السّلام ليس من عادات الكفار، وإنَّما هو من عباداتهم، كما أفصح عن ذلك ابن القيم رحمه الله بقوله(٤٩): «ومن خصَّ الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات، كيوم الميلاد، ويوم التعميد(٥٠)، وغير ذلك من أحواله».

وإذا سلَّمنا -جدلًا- أنَّه من عاداتهم، فقد نُهينا عن التشبُّه بأهل الكتاب، وتقليدهم، سواء في أعيادهم أو في غيرها لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(٥١)، وأقلُّ أحوال الحديث اقتضاء تحريم التشبُّه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبِّه بهم كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١](٥٢)، ومعلوم أنَّ المشابهة إذا كانت في أمور دنيوية فإنَّها تورث المحبَّة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية ؟ فإنَّ إفضاءَها إلى نوعٍ من الموالاة أكثر وأشدُّ، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، كما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(٥٣).

طاعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم عنوان محبته وتعظيمه


وليس من محبَّته صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمِه ارتكاب البدع التي حذَّر منها، وأخبر أنَّها شرٌّ وضلالة، وإنَّما تتجلَّى محبَّتُه في طاعته، والاستقامة على أمره، والتسليم لأحكامه، واتباع هديه، وسلوك طريقته، والتأسِّي به في مظهره ومخبره، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم أشدَّ محبَّةً للنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمًا له مِنَّا، وأحرصَ على الخير ممَّن جاء بعدَهم، وأسبقَ إليه من غيرهم، وكانوا أعلمَ الناس بما يصلح للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فلو كان في إقامة مولده صلّى الله عليه وسلّم والاحتفال به واتخاذه عيدًا أدنى فضل ومحبَّة له وتعظيم له صلّى الله عليه وسلّم لكانوا رضي الله عنهم أسرعَ الناسِ إليه وأحرصَهم على إقامته والاحتفال به، لكن لم يُنقل عنهم ذلك، وإنَّما أُثِرَ عنهم ما عرفوه من الحقِّ من محبَّته وتعظيمه بالإيمان به وطاعته واتباع هديه، والتمسُّك بسُنَّته ونشر ما دعا إليه، والجهاد على ذلك بالقلب واللسان، وتقديم محبَّته صلّى الله عليه وسلّم على النفس والأهل والمال والولد والناس أجمعين(٥٤)، تلك هي المحبة الصادقة التي تنعكس على المحبوب بالطاعة والتزام شرعه واتباع هديه، إذ طاعة المحبوب عنوان محبَّته وتعظيمه، قال محمَّد البشير الإبراهيمي رحمه الله: «أمَّا الحبُّ الصحيح لمحمَّد صلّى الله عليه وسلّم فهو الذي يدع صاحبَه عن البدع، ويحملُه على الاقتداء الصحيح، كما كان السلف يحبُّونه، فيحيون سُننه، ويَذُودون عن شريعته ودينه، من غير أن يقيموا له الموالد، وينفقُوا منها الأموال الطائلة التي تفتقر المصالحُ العامَّةُ إلى القليل منها فلا تَجدُه»(٥٥).

هذا، وليست البدعة من محبَّته وتعظيمه ولو كانت حسنةً في نظر فاعلها؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم عَمَّمَ فقال: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»(٥٦)، وقال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٥٧)، وفي رواية مسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٥٨)، ثمّ إنَّه كيف تكون حسنةً ؟ لأنَّ المُحَسِّنَ لها إمَّا الشرع فتنتفي البدعةُ، وإمَّا العقلُ فلا مدخلَ له في إثبات الأحكام الشرعية، ولا في تعلُّق المدح والذمِّ بالأفعال عاجلًا، أو تعلُّق الثواب والعقاب بها آجلًا -عند أهل السُّنَّة- وإنَّما طريق ذلك السمع المجرَّد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ومعلوم أنَّ كُلَّ ما لم يَسُنَّهُ ولا استحبَّه رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، ولا أحدٌ مِن هؤلاء الَّذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم، فإنَّه يكون من البدع المنكرات، ولا يقول أحدٌ في مثل هذا إنَّه بدعةٌ حسنةٌ»(٥٩).

هذا، وأخيرًا فإنَّنا نحمد الله تعالى على نِعمة ولادة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وعلى نعمة النُّبوَّة والرِّسالة، فهو الذي أنزل عليه القرآنَ، وأتمَّ به الإسلامَ، وبيَّنه أتمَّ البيان، وبلَّغه على التمام، وبهذا نفرح ونبتهج من غير غُلُوٍّ ولا إطراءٍ، ونَسْتَلْهِمُ العِبَرَ والعِظاتِ من سيرتِه العَطِرة، ومن شمائله الشريفة، وسائرِ مواقفه المشرفة في ميادين الجهاد والتعليم، من غير تخصيص بزمان ولا مكان ولا هيئة، ونحرص على اتباع هديه صلّى الله عليه وسلّم، والتمسُّكِ بسُنَّته على ما مضى عليه سلفنا الصالح -رحمهم الله تعالى-.

والموفَّقُ السعيدُ من انتظم في سلك من أحيا سُنَّة وأمات بدعة.

ونسأل اللهَ بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَا أن يُرِيَنَا الحقَّ حَقًّا ويرزقَنَا اتباعَهُ، والباطلَ باطِلًا ويرزقَنَا اجتنابَهُ، ولا يجعلَه مُتَلَبِّسًا علينا فنَضِلَّ، وأن يكون لنا عونًا على أداء واجب الدعوة والنذارة امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].

وآخرُ دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

أبو عبد المعز محمَّد علي فركوس
الجزائر في: ١٨ صفر ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ مارس ٢٠٠٥م





(١) () أخرجه مسلم في «الأقضية» (١٧١٨)، وأحمد (٢٥٤٧٢)، والدارقطني في «سُننه» (٤٥٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) أخرجه ابن ماجه في «المقدمة» رقم: (٥)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» رقم: (٩)، وفي «السلسلة الصحيحة» (٦٨٨).
(٣) تقدَّم تخريجه (هامش ١).
(٤) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (١/ ٣٥٨).
(٥) أخرجه البخاري في «الصلح» (٢٦٩٧)، ومسلم في «الأقضية» (١٧١٨)، وأبو داود في «السُّنَّة» (٤٦٠٦)، وابن ماجه في «المقدمة» (١٤)، وأحمد (٢٦٠٣٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٦) تقدَّم تخريجه: (هامش ١).
(٧) أخرجه مسلم في «الجمعة» (٨٦٧)، وأحمد (١٤٩٨٤)، من حديث جابر رضي الله عنه.
(٨) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٧)، وابن نصر في «السُّنَّة» (٨٩)، وابن وضَّاح في «البدع» (١١)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٠٩) من طريق عبد الله بن عون عن إبراهيم، والأثر صححه مشهور سلمان في تحقيقه لكتاب «الاعتصام» للشاطبي (١/ ١٢٢).
(٩) أخرجه الدارمي في «سننه» (٢٠٩)، والطبراني في «الكبير» (٨٧٧٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٢١٦)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٤٣٤): «رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح»، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (١/ ٩٦). وصحَّحه الألباني في «تحقيقه لإصلاح المساجد» (١٢).
(١٠) () انظر: «المواعظ والاعتبار» للمقريزي (١/ ٤٣٢-٤٣٣)، «صبح الأعشى» للقلقشندي (٣/ ٣٩٨)، «الإبداع» لعلي محفوظ (١٢٦)، «القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل صلّى الله عليه وسلّم»، لإسماعيل الأنصاري (٦٨).
(١١) إِرْبِل: مدينة كبيرة من أعمال المَوْصِلِ، والمَوْصِل مدينة عتيقة، قديمة الأساس على طرف دِجلة من أعظم المدن بالعراق سميت بذلك لأنَّها وصلت بين الجزيرة والعراق، وقيل: وصلت بين الفرات ودِجلة. [انظر: «الروض المعطار» للحميري (٥٦٣)، «اللباب» لابن الأثير (١/ ٣٩، ٣/ ٢٦٩)، «مراصد الاطلاع» للصفي البغدادي (١/ ٥١، ٣/ ١٣٣٣).
(١٢) هو عمر بن محمَّد بن خضر الإربلي الموصلي أبو حفص معين الدين شيخ الموصل المعروف بالملّا، له أخبار مع الملك نور الدين محمود بن زنكي توفي سنة: (٥٧٠). [انظر ترجمته في: «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ٢٨٢)، «الأعلام» للزركلي (٥/ ٦٠)].
(١٣) انظر: «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة (٢٤).
(١٤) هو الملك المظفر: أبو سعيد كُوكُبري بن زين الدين بن بُكْتِكين، كانت وفاته بقلعة إربل سنة: (٦٣٠). [انظر: «البداية والنهاية» لابن كثير (١٣/ ١٣٦)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (٤/ ١١٣)، و«شذرات الذهب» لابن العماد (٥/ ١٣٨)].
(١٥) أخرجه البخاري في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (٣٤٥٦)، ومسلم في «العلم» (٢٦٦٩)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(١٦) انظر: الدراسات عن الشيعة في المراجع التالية:
«تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة» للدكتور عبد الله فياض، «الشيعة والتشيُّع»، و«الشيعة وأهل البيت» لإحسان إلهي ظهير، و«الصراع بين الشيعة والتشيع» للدكتور موسى الموسوي، وغيرها.
(١٧) () «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (٢/ ١٢٣).
(١٨) () أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه في «المقدمة» (٤٢)، وأحمد (١٧١٤٤)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٣٦).
(١٩) أخرجه البخاري في «الأنبياء» (٣٤٤٥)، والدارمي في «سننه» (٢٦٨٢)، وأحمد في «مسنده» (١٦٤)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(٢٠) أخرجه أبو داود في «الصلاة» (١١٣٤)، والحاكم في «المستدرك» (١٠٩١)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، وأحمد في «مسنده» (١٢٠٠٦)، من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٥١٣)، والألباني في «صحيح الجامع» (٤٣٨١).
(٢١) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢٧٧)، والشهاب القضاعي في «مسنده» (٥٠١)، والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٣١١)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه ﻟ «صحيح ابن حبان».
(٢٢) قد يحتفل بالمولد من كان مجتهدًا مُتأوِّلًا أو مُقلِّدًا جاهلًا بحُكمه وهو حسن القصد فإنَّه يعذر بجهله لعدم بلوغ الخطاب له، أو لمعارضته بتأويل إمَّا باجتهادٍ أو تقليدٍ، بخلاف العالم بحكمه العامل على غير مقتضى ما عَلِم. وهذا هو مقصود شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال في «الاقتضاء» (٢/ ١٦٢): «فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما قدمته لك أنَّه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدّد». [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٢٣)].
(٢٣) () أخرجه مسلم في «الصيام» (١١٦٢)، وأبو داود في «الصوم» (٢٤٢٦)، وأحمد (٢٢٥٥٠)، من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
(٢٤) أخرجه البخاري في «النكاح» (٩/ ١٤٠) رقم: (٥١٠١)، باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، من حديث عروة ابن الزبير.
(٢٥) انظر: «المواهب اللدنية» للقسطلاني (١/ ٢٦٠).
(٢٦) انظر: «الفتاوى الحديثية» لابن حجر الهيتمي (٩٠٩، ٩٧٤)، و«الحاوي للفتاوي» للسيوطي (١/ ٢٦٠).
(٢٧) «تفسير القرطبي» (٨/ ٣٥٣)، «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٠٢-٤٠٣).
(٢٨) () أخرجه مسلم في «البر والآداب والصلة» (٢٥٩٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢٩) «حوار المالكي» لابن منيع (٨٥).
(٣٠) أخرجه مسلم في «الصيام»، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر (١١٦٢)، من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه.
(٣١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢٣)، «فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٩٤).
(٣٢) أخرجه مسلم في «الزهد والرقائق»، باب المؤمن أمره كلّه خير (٧٥٠٠)، من حديث صهيب رضي الله عنه.
(٣٣) ومن التناقضات العجيبة أنَّ أهل إحياء المولد يكرهون الصيام يوم الإثنين إن وافق المولد لكونه عيدًا يلزم فيه الفرح والسرور ويستقبح في مثله الصيام، في حين أنَّ صاحب الشريعة يندب إلى صيام يوم الإثنين، فقد صامه النبي صلّى الله عليه وسلّم ورغَّب في صيامه، قال الحطاب في «مواهب الجليل» (٢/ ٤٠٦): «قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: صيام المولد كَرِهَه بعضُ من قرب عصره ممّن صحّ علمُه وورعه، قال: إنه من أعياد المسلمين فينبغي أن لا يصام فيه، وكان شيخنا أبو عبد الله القوري يذكر ذلك كثيرًا ويستحسنه ؟!!».
(٣٤) «فتح الباري» (٨/ ١٢٩).
(٣٥) أخرجه ابن ماجه في «الجنائز» (١٥٩٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠١٥٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صحَّحه بشواهده الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٩٨).
(٣٦) «المدخل» لابن الحاج (٢/ ١٦-١٧).
(٣٧) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ١٥) رقم (٤٢٨٧)، وقال عنه: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». عن عثمان بن عبيد الله أبي رافع، عن سعيد بن المسيِّب رحمه الله.
(٣٨) سبق تخريجه، انظر: (هامش ١٨).
(٣٩) «المواهب اللدنية» للقسطلاني (١/ ٢٦٠).
(٤٠) «الإصابة» لابن حجر (٤/ ٢٥٨).
(٤١) «شرح الزرقاني» على «المواهب اللدنية» (١/ ٢٥٩).
(٤٢) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٤٥).
(٤٣) «التنكيل» للمعلمي (٢/ ٢٤٢).
(٤٤) «البداية والنهاية» لابن كثير (٢/ ٢٧٣).
(٤٥) «الإصابة» لابن حجر (٢/ ٢٧١).
(٤٦) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٤٥).
(٤٧) وهذه القاعدة مطردة في المحسوسات والمعقولات؛ لأنّ الأساس إذا انهدم انهدم معه ما بُني عليه. [انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (١١٩)، و«الأشباه والنظائر» لابن نجيم (١٣٤)].
(٤٨) عبَّر عنها النووي بهذه الصيغة. انظر: «المجموع» له (١/ ٣٩٢).
(٤٩) «زاد المعاد» لابن القيم (١/ ٥٩).
(٥٠) التعميد أو المعمودية عند النصارى: أن يغمس القِسُّ الطفل في الماء باسم الأب والابن وروح القدس، ويتلو عليه بعض فِقَرٍ من الإنجيل، تعبيرًا عن تطهير النفس من الخطايا والذنوب، وهو آية التنصير عندهم. [انظر: «المعجم الوسيط» (٢/ ٦٢٦)، «المسيحية» لأحمد شبلي (٣٠/ ١٦٨-١٦٩)].
(٥١) أخرجه أبو داود في «اللباس» (٤٠٣١)، وأحمد (٥١١٤)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩)، وحسَّنه ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٨)، والألباني في «الإرواء» (١٢٦٩).
(٥٢) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (١/ ٢٧٠).
(٥٣) انظر المصدر السابق (١/ ٥٥٠).
(٥٤) انظر : «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (٢/ ١٣٢).
(٥٥) «آثاره» (٢/ ٣٤١).
(٥٦) سبق تخريجه، انظر: (هامش ٧).
(٥٧) سبق تخريجه، انظر: (هامش ٥).
(٥٨) سبق تخريجه، انظر: (هامش ١).
(٥٩) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٧/ ١٥٢).